من أين أنت؟ السؤال المحير
من المألوف في مجتمعاتنا العربية أنه عندما يسألك سائل عن اسمك، أن يظل السائل منتظرا بعد إعلامك إياه باسمك واسم أبيك وجدك، متطلعا إلى صفحة وجهك وكأن جوابك لم يشف غليله بعد، فهو ينتظر أبعد من ذلك، ينتظر أن تكمل اسمك، فأنت ما زلت نكرة لديه، وما لم تختتم الجواب أو تبدأه فورا باسم العشيرة فأنت لم تجب على سؤاله بعد .
لا ترتسم على وجه سائلك ملامح تعبير من أي نوع إلا بعد سماعه الاسم الأخير، اسم العشيرة، فهو الذي يرمي إليه فقط. عندها تنفرج أسارير وجهه رضا، أوتنقبض تبرما، تبعا لمكانة الاسم الأخير الذي قرع أذنيه، فيبادر لتلبية طلبك أويتجاهله ويتجاهلك معه. يبادر للترحيب بك والتقرب منك، أو ينفر منك نفورا يبدو على شفتيه صمتا، ويرتسم على قسماته تجهما.
ذلك أمر مألوف و معروف في بيئتنا العربية، وقد اعتدنا عليه وتعايشنا معه، وهيأ كثير منا نفسه لتحمل تبعاته ونتائجه المحبطة والمثبطة، خاصة عند من لا تنتهي أسماؤهم في بطاقات التعريف والهوية باسم عشيرة معروفة نافذة، أو أن اسم العشيرة قد سقط سهوا أو خطأ، ساعة التبليغ عن الولادة من قِبَلِ أب أو قريب ساذج جاهل بالمقامات والألقاب، فاكتفى باسم الأب والجد ومن يليه، ولم يدرج اسم العشيرة فأورث هذا الابن المنكود تبعة خطئه، وتركه عاريا في الطريق، مجردا من لقب عشائري يتفيأ ظلاله، أو يضطره لاحقا لتدارك ذلك الزلل، والسعي لتصحيحه في دوائر الأحوال المدنية، بتذييل اسمه باسم العشيرة الرفيع، وإلا بقي نكرة و بقي أبناؤه من بعده نكرات، لا يشفع لهم أي تفوق أو سبق في ميادين العلم والعمل في أماكن تواجدهم ما دام اسم العشيرة لا يزين خاتمة أسمائهم، فهم مثل بيت من الشعر لم تكتمل قافيته و رَويّه.
لا يكتمل تعريف الشخص عندنا إلا باسم العشيرة، عندها يحق لصاحبه أن يمد قدميه غير هيّاب ولا وجل، وأن ينام قرير العين.
ذلك أمر بدهي أعرفه، وأعرف مقدار معاناة كثيرين من معارفي وأصدقائي من عدم تحققه لهم ولأبنائهم، وأعرف مقدار ما ينغض عليهم حياتهم، ويعيق كثيرا من معاملاتهم وشؤونهم.
لكن السؤال الآخر الذي حيرني دهرا، وأنا أسمعه يتردد على ألسنة طلابي مدة أربعين عاما، وما سمعته قبلها مطلقا خلال الثماني عشرة الأولى من حياتي، التي عشتها في موطن نشأتي الأولى في إحدى قرى فلسطين، حيث لم يكن هناك من مبرر للسؤال.
السؤال العجيب الذي كنت أسمعه من فم كل طالب، لدى تعارفه للمرة الأولى بزميل جديد، سواء كان هذا الطالب في المرحلة الابتدائية أوالإعدادية أوالثانوية أوالجامعية هو: - من أين أنت؟
ولم يكن هذا السؤال مقتصرا على فئة الطلاب فحسب، بل يسأله الرجل الكهل لجاره الجالس بجانبه على مقعد الحافلة لدى لحظة التعارف الأولى، ويسأله الموظف القديم لزميله الجديد في يوم عمله الأول، وتسأله المرأة للمرأة التي تلتقي بها مصادفة في المركز الصحي التابع لوكالة غوث اللاجئين، أو وهما تنتقيان حاجات منزليهما في سوق الخضار. إنه السؤال التقليدي الذي لا سؤال قبله:
– (منين إنتِ يا أختي بلا زُغرَة)؟
قد يرى الشخص المحايد في هذا السؤال مبعث دهشة وغرابة، فما معنى أن تسأل ابن صفك وابن حارتك، الذي تعلم علم اليقين أنه قد ولد في نفس الحي الذي تعيش فيه، هو وأبوه وأمه: - من أين أنت؟
وهل كنا نسأل أنفسنا مثل هذا السؤال يوم كنا في قريتنا في فلسطين؟
والذي يزيدك حيرة ودهشة، أن السؤال لا يَلقى استغرابا أواستنكارا من متلقيه، بل تجده وقد تهيأ له، وكأنه يعلم علم اليقين أن لا سؤال يُبتدأ به التعارف سواه، فينساب جوابه الفوري التلقائي على لسانه، فيجيب وهو الذي وُلد في هذا المكان، وولد فيه أبوه وأمه وربما جده من قبل:
– أنا من اللد، أنا من الناصرة، أنا من طوباس، أنا من حلحول، أنا من بئر السبع، أنا من سخنين، أنا من الفالوجة، أنا من عين غزال، أنا من نابلس، أنا من سلمة...
كأن أرواحهم لا تعيش في المكان الذي تعيش فيه أبدانهم، وكأن كل واحد منهم تعيش في ذاكرته مدينته أو قريته الأولى، التي انحدر منها آباؤه وأجداده.
إنه الوطن الذي يتجسد في ذاكرتهم جميعا، ولا يرتضون عنه بديلا، وإن نَعِمَ بعضهم برغد من العيش، ما حلم به أبوه ولا جده هناك على أرض وطنه.
فتعجب كيف يتحقق ذلك بتلقائية وغريزية، غير خاضعة للتلقين والتربية والتعبئة الوطنية، فأنت قد تفاجأ بآباء وأمهات لا يعيرون اهتماما للتنشئة الوطنية لأبنائهم، ولا لتذكيرهم وتعريفهم ببلدتهم الأولى التي ينحدرون منها في فلسطين، ولا بغرس حبها والتعلق بها في نفوس أبنائهم، في غمرة انشغالهم وحرصهم على تعليمهم والوصول بهم إلى أعلى الدرجات العلمية، التي يحسبونها بديلا عن المكانة المفقودة بفقد الوطن ،فيفاجئ هؤلاء الأبناء آباءهم وأمهاتهم بانتماء وطني عميق، وتعلق بالوطن ما بعده تعلق، يتجسد بانخراطهم في المنظمات الفدائية والجهادية مفاجأة لم تخطر لذويهم على بال.
فتوقن أنها الرابطة الفطرية والانسياق الغريزي.
فتسائل نفسك قبل سواها:
– ألا تغادر أسماك السلمون الفتية مواطنها التي نشأت فيها في الروافد والقنوات التي تتجمع لتشكل نهر كولمبيا في أمريكا الشمالية، في هجرة جماعية تحملها بعيدا عبر المحيط الهادئ حتى تصل إلى خليج ألاسكا، حيث تمضي دورة حياتها، فإذا شبت عن الطوق تاقت لأوطانها، فعادت من حيث أتت عبر المحيط مهتدية بمواقع الشمس خلال سيرها؟ أما في رحلتها عبر روافد النهر وعكس اتجاه جريان تياره، فإن كلا منها يهتدي إلى موطنه الذي غادره صغيرا، متشممة رائحة التربة وعبق النباتات والأعشاب التي علقت بذاكرتها يوم غادرت موطنها صغيرة، ولم تخنها تلك الذاكرة يوما.
تصل إلى مواطنها لتتزاوج ثم تموت، فتكمل صغارها من بعدها دورة حياة جديدة، في هجرة جماعية دائمة تتكرر جيلا بعد جيل. لا يمنعها من تكرار ذلك كل ما ينصبه لها الإنسان من شراك صيده، ولا ما تبتلعه الأسماك العملاقة من جموعها في رحلتي الذهاب والإياب. فهل نكون نحن أعجز من الأسماك؟
تمتلئ نفسك ثقة وطمأنينة مع هذا اليقين بالانتماء الغريزي المتجذر، وتدفعك للسخرية من حلم ديفيد بن غوريون حين حلم أن:
– (الجيل الذي عاصر النكبة سيموت، والأجيال التي تليه سوف تنسى، وبذلك تنتهي القضية).
ولم يسأل نفسه: - لماذا لم ينس هو وقومه وقد ظلوا ينشدون العودة إلى أورشليم طيلة ألفي عام بزعمهم بفعل الذاكرة الحية التي ظلوا يشحذون بها مخيلة أجيالهم ؟ لكنه بخياله المحلق الواهم، الذي يصور له أنه و قومه أناس متميزون، وأنهم شعب الله المختار، و أن ما يستطيعون فعله لا يقدر على مجاراتهم فيه غيرهم من شعوب الأرض، وأنه لا أحد سواهم يستطيع العيش بوطن محمول في الذاكرة لأجيال وأجيال، فإذا الحقيقة الناصعة تدحض زيف وهمه.
لقد استطاع اليهود العيش داخل الذاكرة اليهودية وحدها على مر الزمن، لأن دينهم كان مختلفا دائما عن دين سواهم ممن عاشوا بينهم، وبفضل الشحذ الذهني المتواصل الذي كانوا يمارسونه على أجيالهم، وتلقينهم خرافة تميزهم على سائر أمم الأرض من (الجوييم)، وبفضل طلاسم اللغة المميزة التي ظلوا ينسخون بها أسفارهم، وإن تبدلت حسب المكان الذي حلوا فيه ما بين (ياديشية) و (عبرية)، وبفضل جدران (الجيتوات) التي عزلوا أنفسهم داخلها في كل بلد حلوا فيه.
وأهم من ذلك كله، أن المحيط الذي كانوا يقيمون فيه كان يجمع على رفضهم ونبذهم ، ولا يطيق ابتلاعهم و ذوبانهم فيه لعلة فيهم، تجعل الأقوام جميعا تتحاشاهم، وتنفر من قربهم.
لكن النموذج الأروع هو ما يضربه الفلسطيني، الذي يعيش بين أناس يشترك معهم في دين واحد ولغة واحدة، وروابط مشتركة من تاريخ ودم و قرابة، بل وتواصل قبلي وعشائري يجمعه ويوحده مع كل من حوله، وهي الروابط التي حلم بن غوريون بأنها ستكون عوامل إذابة للفلسطيني في المحيط العربي.
لكن المعجزة التي قلبت كل حساباتهم، ولم تخطر لهم على بالهم، أن الفلسطيني وإن أبعدوه عن فلسطين ولم يعد يسكنها، فقد ظلت تسكنه، و ما صار لاجئا منها إلى غيرها كما توهموا، بل (صارت الأرض لاجئة في جراحه)، فقد ظل متمسكا بها، رافضا الاندماج في غيرها والانتماء لما سواها، متجاهلا كل الحقائق التي أحدثها العدو المحتل على أرض فلسطين، منتميا للبلدة التي مُحيت من الوجود، وليس للمكان الذي يعيش فيه، لأنه يعتبر وجوده فيه طارئ ومؤقت.
الطفل الصغير الذي وُلد هو وأبوه و أمه في بلد بعيد عن فلسطين، يكون سؤاله الأول لزميله في المدرسة أو الشارع:
– من أين أنت؟
ويكون الجواب الفوري والعفوي والتلقائي:
– أنا من الطيرة، أنا من جنين، أنا من رام الله، أنا من صفد، أنا من بيت داراس، أنا من باقة الغربية، أنا من دورا، أنا من دير الأسد، أنا من جماعين، أنا من صرفند أنا من تِل... وهو الذي ما وطئتها قدماه ولا قدما أبيه أو أمه، لكنه يظل منتميا لها وتظل منتمية له، أكثر من انتماء من يريد أن يروضها و يخضعها لقوته و جبروته.
إنها حرب الذاكرة التي ننتصر فيها، وينهزم فيها عدونا، بل إنها شيء يتفوق على الذاكرة، فالذاكرة استرجاع شيء غير حاضر فيك، بينما نحن كما قال شاعرنا محمود درويش:
– (نحن في حلٍ من التذكار، فالكرمل فينا، وعلى أهدابنا عشب الجليل. لا تقولي: ليتنا نركض كالنهر إليها. نحن في لحم بلادي، وهي فينا).
إن أزياء أمهاتنا و ثيابهن المطرزة المزركشة، التي تعلن على الملأ:
هذا ثوب رام الله، وهذا ثوب الخليل، وهذا ثوب غزة و هذا ثوب بير السبع.
هذه الأزياء الضاربة الجذور في أعماق الوطن، وحدها تهزم كل العابرين، وأغنياتنا التراثية الهادرة، التي تتدفق صارخة من حناجرنا جيلا بعد جيل، فتردد أصداءها جنبات الأودية وبطون الوهاد
مرددة: (جفرا و يا هالربع) و(على دلعونا) و (يا ظريف الطول)، و(مواويل الميجنا والعتابا) ستظل نغماتها تصدح على قمم جبالنا وفي بطون أوديتنا، تلاحقهم في صحوهم ونومهم، فتصم أسماعهم وتبعث في نفوسهم الرعب والفزع، وهي تطاردهم ليل نهار مطاردة الأشباح للخائف الفزِع.
أرأيتم قتيلا يطارد قاتله مطاردة تودي به إلى الرعب والفزع والجنون؟
فنحن (الرصد) الذي لقنتنا إياه جداتنا صغارا في ثنايا حكاياتهن المرعبة، من أنه الشبح الذي يحرس جثة القتيل الذي لم يُؤخذ بثأره، ويستوطن المكان الذي قتل فيه، ويظل ينبعث في ظلمة الليل لكل عابر سبيل، تقوده خطواته العاثرة إلى جوار المكان.
تلك الحكايات التي أورثتنا جُبنا، وملأتنا رعبا من ظلمة الليل، لكنها انغرست في ذاكرتنا، وعلمتنا أن نكون (الرصد) ذاته، الذي يحرس المكان فلا يبرحه أبدا.
إن امرأة عجوزا تسند ظهرها إلى جذع زيتونة قديم، وتعبئ صدرها حجارة، تزود بها الأطفال من راجمي جنود الاحتلال، لكفيلة بأن تبعث في قلوبهم الرعب والفزع.
وإن شيخا يتكئ على (كابوسة) محراثه الروماني القديم، يشق أثلاما في أرضه، يقتلع معها الأعشاب والنباتات الطفيلية الغريبة، ليشعرهم أنه يقتلعهم مع كل عشبة برية يقتلعها، ويلقي بها على جانبي الثلم.
ما أسوقه ليس من قبيل الأحلام أوالأوهام، لكنها الحقائق الوحيدة المأمولة في زمن عزت فيه الحقائق والآمال، فأنا أدرك و يدرك معي أبناء جيلي، أن هذا الانتماء العميق، وهذه الذاكرة المحتشدة، هي الأمل الوحيد الذي يبزع في ليلنا الحالك الظلمة، لأننا ندرك فداحة التقصير، الذي قصّره جيلنا وجيل آبائنا وأجدادنا، على مدى مئة عام في مواجهة الهجمة الصهيونية، بانشغالهم في تغليب صراعاتهم وانقساماتهم الثانوية على الصراع الرئيسي مع العدو.
كم كنت سعيدا طول سنوات عمري وأنا أسمع تلاميذي في كل مكان، وهم يبدؤون لقاءات تعارفهم بالسؤال التلقائي المعهود: (إنتَ منين؟) و بالعجائز من النساء وهن يسألن السؤال ذاته ولكن بطريقتهن الخاصة والمهذبة: (منين إنتو يا اختي بلا زُغره؟)، لأنه السؤال المُوَحِّد.
بقدر ما يسوؤني ويسوء غيري على أرض فلسطين سؤال آخر مُفَّرق:
أنت من فتح؟ أنت من حماس ؟ أنت من الجبهة الشعبية؟ أنت من الجهاد؟ أنت من الديمقراطية؟ أنت من فدا؟ أنت من زعيط ؟ أنت من نطاط الحيط؟
وتكفينا هذه الذاكرة المشتعلة أبدا، ويكفينا هذا التمسك بالسؤال المذهل الذي يحير العقول، والذي لا يلقنه والد لولد، ولا أم لابنة، بل كأنما يرضعه الصغير من ثدي أمه: إنتَ منين؟
فليجرب أبناء ديفيد بن غوريون وتلاميذه أن يسألوا بعضهم بعضا السؤال ذاته: من أين أنت؟ وليأتهم الجواب:
– أنا من بولندا، أنا من اليمن، أنا من روسيا، أنا من المغرب، أنا من فرنسا، أنا من إيران، أنا من بريطانيا، أنا من العراق، أنا من أمريكا، أنا من الحبشة. وليرددوا معا نشيدا جماعيا جوابيا:
– نحن (شعيرات الشحاذ).
