الأحد ٢ آب (أغسطس) ٢٠٢٦
بقلم عائشة بوزرار

قطط مدينة الأرخبيل

«قطط مدينة الأرخبيل»... حين تتحول المدينة إلى متاهة، وتصير القطط مرآة للإنسان

ليست الرواية الجيدة تلك التي تكتفي بسرد الحكايات، بل هي التي تدفع القارئ إلى إعادة النظر في العالم من حوله. ومن هذا المنطلق، تأتي رواية «قطط مدينة الأرخبيل» للروائي المغربي إسماعيل غزالي بوصفها تجربة سردية تتجاوز حدود الرواية البوليسية أو الواقعية التقليدية، لتبني عالماً روائياً قائماً على الغموض والرمز والتأويل. إنها رواية تجعل من المدينة بطلاً موازياً للشخصيات، ومن القطط لغة خفية لفهم الإنسان، ومن الفن مدخلاً لطرح أسئلة أخلاقية ووجودية معقدة.

منذ الصفحات الأولى، لا يجد القارئ نفسه أمام أحداث تسير في خط مستقيم، بل يدخل متاهة سردية تتشابك فيها الوقائع مع الأحلام، والذاكرة مع الحاضر، والحقيقة مع الوهم. هذا التشابك ليس مجرد حيلة فنية، بل هو جزء من رؤية الكاتب للعالم؛ عالم لم يعد فيه الوصول إلى الحقيقة أمراً يسيراً، بل أصبح كل شيء قابلاً للشك وإعادة التأويل.

أولى نقاط القوة في الرواية تكمن في طريقة تقديم المكان. فالمدينة ليست مجرد فضاء تتحرك فيه الشخصيات، وإنما كائن حي يمتلك ذاكرته وأسراره ومزاجه الخاص. الأزقة القديمة، والبحر، والريح، والمباني العتيقة، والظلال التي تغلف الشوارع، كلها عناصر لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تسهم في تشكيل الحالة النفسية للشخصيات. تبدو المدينة وكأنها تعرف أكثر مما تقوله، وتخفي أكثر مما تكشف، حتى يشعر القارئ بأنها تتحكم في مصائر من يسكنها بقدر ما يسكنونها هم.

اختيار الكاتب لمدينة الأرخبيل ليس اعتباطياً، فالأرخبيل بطبيعته مجموعة جزر متفرقة يجمعها البحر ويفصل بينها في الوقت نفسه. وهكذا تبدو الشخصيات أيضاً؛ متجاورة في المكان لكنها معزولة داخلياً، تبحث عن التواصل ولا تجد سوى المزيد من العزلة. لذلك يمكن اعتبار الأرخبيل استعارة لحالة الإنسان المعاصر، الذي يعيش وسط الآخرين لكنه يظل أسيراً لوحدته وأسئلته.

أما القطط، التي يحتل حضورها عنوان الرواية، فلا تؤدي دوراً زخرفياً أو تزيينياً داخل النص، بل تتحول إلى رمز متعدد الدلالات. فهي كائنات مستقلة، عصية على الترويض، تتحرك في صمت، وتظهر وتختفي دون مقدمات، تماماً كما تفعل الحقيقة داخل الرواية. إنها تمثل الحرية والغموض والهشاشة والقدرة على النجاة، كما تعكس طبيعة الشخصيات التي يصعب الإمساك بها أو إصدار أحكام نهائية عليها.

ولا يكتفي إسماعيل غزالي بتوظيف الرمز، بل يبني عليه شبكة كاملة من الأسئلة الفلسفية. فالرواية لا تسأل من ارتكب الجريمة فقط، وإنما تسأل أيضاً: كيف يمكن للإنسان أن يخفي حقيقته خلف أقنعة الجمال؟ وهل يستطيع الفن أن يكون وسيلة للخداع بقدر ما هو وسيلة للإبداع؟

هذه الأسئلة تتجسد من خلال شخصية الرسام، الذي يتحول من فنان يفترض فيه البحث عن الجمال إلى شخصية غامضة تثير الشكوك. وهنا ينجح الكاتب في كسر الصورة النمطية للفنان بوصفه رمزاً للنقاء، ليقدم شخصية مركبة تتداخل فيها الرغبة والطموح والأنانية والخوف. يصبح المرسم فضاءً ملتبساً، لا يُعرف فيه أين ينتهي الإبداع وأين تبدأ الجريمة، في إشارة إلى أن الإنسان قادر على إخفاء أكثر جوانبه ظلمة خلف أكثر الواجهات إشراقاً.

ومن الجوانب اللافتة أيضاً حضور المرأة داخل الرواية. فالنساء لا يظهرن كشخصيات ثانوية تدور في فلك البطل، بل يحملن دلالات رمزية تتجاوز أدوارهن السردية. إنهن يمثلن الحرية والإغواء والغموض، ويحضرن في النص بوصفهن شخصيات يصعب امتلاكها أو فهمها بصورة كاملة. لذلك تبدو العلاقة بين الرجل والمرأة في الرواية قائمة على الاقتراب والابتعاد، وعلى الرغبة والخوف في آن واحد، وهو ما يمنح النص بعداً نفسياً عميقاً.

على المستوى الفني، يعتمد الكاتب على بنية سردية غير خطية، حيث تتداخل الأزمنة وتتقاطع الذكريات مع الوقائع، فلا يعود الماضي منفصلاً عن الحاضر، ولا يصبح الحلم بعيداً عن الواقع. هذه التقنية لا تهدف إلى تعقيد القراءة، وإنما تعكس الاضطراب الداخلي للشخصيات، وتؤكد أن الزمن النفسي أكثر حضوراً من الزمن الكرونولوجي.

أما اللغة، فتتميز بكثافة شعرية واضحة، دون أن تقع في الزخرفة المجانية. يعتمد الكاتب على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الصورة أكثر من الشرح، فيترك للقارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى. وهذه إحدى أهم مزايا الرواية؛ فهي لا تقدم تفسيراً نهائياً للأحداث، بل تجعل كل قراءة ممكنة، وكل تأويل مشروعاً.

ويحمل عنوان الرواية بدوره قيمة رمزية كبيرة. فالجمع بين «القطط» و«مدينة الأرخبيل» يخلق منذ البداية حالة من الغموض تدفع القارئ إلى البحث عن العلاقة بين العنصرين. ومع التقدم في القراءة يتضح أن القطط ليست سوى وجه آخر للمدينة، وأن المدينة ليست سوى انعكاس لداخل الشخصيات، فيتحول العنوان إلى مفتاح يختصر فلسفة الرواية كلها.

في النهاية، لا يمكن قراءة «قطط مدينة الأرخبيل» باعتبارها رواية تشويق أو جريمة فحسب، بل هي نص يختبر الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم، وبين الجمال والقبح، وبين الإنسان وأقنعته. إنها رواية ترفض تقديم إجابات جاهزة، وتفضل أن تترك قارئها محاطاً بالأسئلة، وهو ما يمنحها قيمة أدبية تتجاوز متعة الحكاية إلى متعة التفكير.

لقد نجح إسماعيل غزالي في تشييد عالم روائي يزاوج بين الواقعية والغرائبية، ويجعل من المدينة فضاءً رمزياً، ومن القطط استعارة للحرية والغموض، ومن الفن مرآة تعكس هشاشة الإنسان وتعقيداته. ومن هنا تستمد الرواية فرادتها داخل المشهد الروائي المغربي المعاصر، باعتبارها نصاً يراهن على العمق الفكري بقدر ما يراهن على جماليات السرد، ويؤكد أن الأدب الحقيقي لا يمنح القارئ

اليقين، بل يدعوه إلى البحث الدائم عنه.—


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى