على أعتاب الذكرى
ما رأيته منذ أكثر من عشرين عاما، والحقّ أقول ما ظننت أني ملاقِيه بعد أن غاب ضياؤه من أفق حياتي …
كان واقفا تحت ظل شجرة، شيخٌ نحيل الخلقة، تخطّى الستين بلا شك، اقتربت منه وسلمت عليه،
– السلام عليكم…
رد سلامي وابتسم... بسمة باهتة لا تخرج من قلبه، بل من عادة تبناها بعد فراقي عنه، تظاهرت بقلق طبيعي من انقطاع الاتصال لسنوات طويلة، وصافحت يده فسرى في جسدي تيار مجهول، كأنه من ذكرى ضربة قديمة هزت كياني من جديد، تشتت ذهني في تلك اللحظة ونفسي تتبع أثره…
– تذكرني؟... علمتني قبل سنوات.
سألته على الفور.
أجابني بعد صمت طويل حتى ظننت أنه يلتقط معرفتي من ذاكرته المغبرة:
– آه…أتذكرك…
لمح على ملامح وجهي برقة سرور وطار قلبي طرباً شديداً، بسعادة تلميذ أن يذكر المعلم نفسه بلا نسيان بعد مرور الأعوام، فهجس داخل قلبي الفرح:
«وا حظي الوافر، لا يزال يذكرني…».
ما إن شرعت في كلام آخر حتى عبس وتولى فأخذت أتماشى معه على مهل، ما تفوه بشيء، بل الحقيقة سبقت ثرثرة كلامي وأسكتته.
بدت أمام عيني خواطر الماضي، فأخذت أتلو صفحاتها واحدة تلو أخرى، فيما كنت أدرس عنده طفلاً صغيراً مطمئناً... أكتب وأقرأ حين يرشدني ويكلمني إكراماً وإكراها…أيام خلت في رعاية أسد يزأر ويغضب من كل ما أصنع…
لم أقل عنه حرفاً إلا بعض الذكريات المعسولة التي كان فيها رجلاً فاضلا يذهب بنا إلى الحدائق ويسرد لنا قصص الكتب السالفة،تارة مضحكة وأخرى مفكرة.
لم يرد علي قولا ولا فعلا... بل ابتسم لكل حكاية أحكي كأنها تبرق في واحة قلبه، ولم أعرف نفسَ ابتسامته البطيئة، هل كانت تصدقني... أم فقط تجاملني…؟
وصلت إلى منزله فتوقف عند الباب ثم توجه إلى البيت المجاور، كانت هناك فتاة شابة ذات العشرين أو أقرب.
– أتدرين أين المفتاح؟
ما إن سألها حتى شقت مسامعنا بصوتٍ عالٍ قائلة:
– ألم أقل لك ألا تسألني عنه أبدا... المفتاح في جيبك.
أدخل يده فوجده.
ما اطلعت على شيء مما يحدث أمام عيني، فوجئت بسؤالها «من أنت؟». ترددت خوفا من نظرتها المخيفة، وقلت:
– كا…كان أستاذي قبل سنوات.
رمقتني بنظرة متفحصة، وقالت لي برأفة وعيناها بالكاد تدمعان،
– لم يكن أستاذا من قبل… بل سائقا… وَوَهت الآن ذاكرتُه مع مرور الزمان..."
تنهدت قليلا ثم تابعت:
– أبي… لا يذكرني إلا معرفة عابرة من حياته، أتت وانقضت…
سقط صمت ثقيل بيننا وأصبح قلبي فارغا،
فالمعلم دخل وأغلق الباب بإحكام، وبقيت واقفا وحدي، لا أدري ما الذي انهار عندي للتو،
ذكرياتي أم ذاكرته…؟
