سفر اخير!
كإنسان آلي بلا روح. كان يسير وسط المدينة الكبيرة. اخترق الشوارع الفسيحة. صادف وجوها كثيرة لا يعرفها. أمواج غفيرة من البشر تمشي بسرعة. وكأنها ترحل عن المدينة الملعونة. وجوه عديدة بملامح متجهمة ونظرات شزراء متوعدة. تكشر عن انيابها. ايادي متشنجة متوثبة للاعتداء. أجواء المدينة مكهربة ويغلفها دخان اسود. أصوات منبهات السيارات تخترق أذنيه الصماء. ضجيج وصداع وازيز. عيناه الجاحظتان تكادان تنفلتان من محجريهما. رجلاه تسرعان الخطى نحو الخلاص. وفجأة لمحها من بعيد. كانت تطاول السحاب. وتمتد لعنان السماء. انها الخلاص من العذاب. من ماساته السوداء. دقات قلبه يتسارع نبضها بعنف... ها قد وصل مدخلها الواسع. بخفة دلف إلى أعلى عمارة بالمدينة. كان برجا من عشرات الطوابق. دخل المصعد وضغط على آخر زر. وجد نفسه بالسطح الفسيح. لفحت وجهه نسمات هواء بمذاق قطران. لوثت ملامحه بدخان اسود . وقف بمحاذاة الجدار. هو الفاصل بين عالمي اليابسة والسماء. بين ماض اليم وحاضر مظلم ومستقبل مجهول. بين عالم الأحياء والاموات. هو يغبط الاموات ويتمنى جوارهم. ويبغض الأحياء وحياتهم الشقية. وقف هناك للحظات يتأمل المدينة. هاهي المدينة الكبيرة تقبع تحت قدميه. أطل عليها من عل. كأنه عملاق يطل على مدينة أقزام . تتراءى شوارعها كخطوط ملتوية. اما السيارت فهي في حجم أحذية. تدب بتثاقل على الأسفلت الأسود. والمارة أشبه بجماعات من النمل ... أمام عينيه التاءهتين تراءى له. شريط حياته بل بالأحرى مماته. هل فعلا كان حيا؟ هل فعلا كانت له حياة؟ بل كان ميتا! ولم تكن له حياة. كان موجودا نعم. لكنه لم يعش كما ينبغي. بل كانت عبارة عن معاناة. كانت مأساة كبيرة. تجرع كأس ويلاتها. إلى أن طفح به الكيل... في دار الأيتام وجد نفسه أول الأمر. وسط مجموعة من أقرانه. بدا يسأل بتلقائية عن أمه وعن أبيه. عرف الحقيقة المرة. هو مجهول الهوية. مجهول الأبوين. وجد ذات صباح ملقى بحاوية ازبال وسط المدينة. انقد من موت محقق كان سيكون في خبر كان. كان سيكون طعاما للكلاب الضالة. ومن هناك نقل إلى الإصلاحية. بسبب عدوانية المتكررة على النزلاء. لم يسلم منه حتى اطر الخيرية. ومن إصلاحية الأحداث إلى سجن الكبار. أكثر أيام عمره القصيرة. قضاها خلف الأسوار. وبعضها في زنزانة انفرادية. عرف بعدوانيته وسلوكه اللااجتماعي. وحقده الدفين على: المجتمع والناس والبشرية والكون أجمع . لقد حرم عطف الوالدين. ولم يعش دفء الأسرة والأخوة. عاش بين أحضان الشوارع. وداخل زنازين السجون. دخل عالم الجريمة من بابه الواسع ... اغمض عينيه وتسلق الجدار. الياس من الدنيا استبد به. دخل في حوار مع نفسه:
هل قررت الرحيل؟
لابد من مغادرة هذا العالم!
ألن تغير رايك؟
قراري اخير ولا رجعة فيه!
لماذا لا لا تقلب الصفحة . وتعيش حياة جديدة؟
بل طويت كتاب حياتي بأكمله!
ومن أعلى برج في المدينة. القى بنفسه بسرعة. فهوى الجسد النحيل نحو الأسفلت الأسود. تشيعه صرخة قوية تنبعث. من تنايا جوانح ارهقتها المعاناة. في سفر اخير ...

مشاركة منتدى
٣١ أيار (مايو), ١٦:٠٠, بقلم محمود سلامه الهايشه
سفر أخير إلى العدم: تحليل للقصة المأساوية للشخصية المنسية
سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل
بقلم:
محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com
تدور أحداث قصة رحال أمانوز، "سفر أخير!"، حول تجربة إنسانية عميقة، ألا وهي الوقوف على حافة الموت، مما يجعل هذه القصة رحلة في أعماق النفس البشرية المحطمة، بدلاً من مجرد وصف لحدث خارجي. لا يصف الكاتب ما حدث بأنه انتحار، بل عملية وصول إلى هذه الحالة بعد سنوات من المعاناة من الرفض والفقر والإساءة الاجتماعية.
منذ الجملة الأولى، يقدم الكاتب وصفًا للبطل الذي، كما يتضح، كان قد فقد إنسانيته قبل أن يفقد حياته، إذ يصفه الكاتب بأنه "كإنسان آلي بلا روح". هذا التعبير يتجاوز مجرد الوصف، فهو بمثابة مفتاح دلالي لجميع سمات الشخصية الرئيسية. في الواقع، يجد البطل نفسه في حالة انفصال تام عن ذاته وعن محيطه. يسير في مدينة تعامله ككيان معادٍ يضطهدُه ويخنقُه. يوظف الكاتبُ المكانَ ببراعةٍ لتحقيق المعنى. يمكن اعتبارُ الانتقال من شوارع المدينة الصاخبة إلى قمة ناطحة السحاب الشاهقة انتقالًا رمزيًا من عالم الإنسان إلى فضاءٍ بين عالم البشرية والعدم. يصبح البرجُ مسرحًا لتأملات الشخصية الرئيسية الأخيرة، حيث يتأمل كل ما فعله في حياته، في لحظةٍ أشبه بمراجعةٍ ذاتية. من نقاط قوة النص قدرته على دمج الوصف الخارجي مع التأمل الداخلي.
من خلال القصة، يستطيع القارئ فهم البيئة الاجتماعية القاسية المحيطة بحياة البطل. يُصوَّر كفردٍ وُلِدَ بلا أبٍ ولا عائلة، ونشأ غريبًا خارج نطاق أسرته. تستمر حياته في سلسلة من المصائب، إذ ينتقل بين مؤسساتٍ مختلفةٍ كدار الأيتام، والإصلاح، والسجن، إلى أن يستسلم للعنف في نهاية المطاف. لا يُفسر الكاتب هذا كذريعة للعنف، بل كنتيجة لقمع الإنسان. في هذه الحالة، يطرح الكاتب قضية اجتماعية شائكة: ما مدى تأثير المجتمع في خلق ضحاياه؟ أسلوبياً، يستخدم الكاتب لغة غنية بالصور البلاغية. يصف المدينة بأنها "مكهربة"، و"وجوه الناس تكشف عن أنيابها"، ومن أعلى البرج، يرى الكاتب السيارات كأحذية صغيرة، والمشاة كالنمل. تضفي هذه اللغة على النص بُعداً بصرياً حيوياً، وتُتيح تصوير شعور البطل بالسيطرة على العالم الذي نبذه.
علاوة على ذلك، ينجح الكاتب في بناء التوتر الدرامي تدريجياً. فمنذ بداية القصة، يعلم القارئ أن هذه الشخصية ستموت ميتة مأساوية، وإن لم يعرف دوافعها مباشرةً؛ إذ يكشفها الكاتب من خلال ذكريات الماضي. ومع ذلك، يبلغ التوتر ذروته خلال مونولوج قصير للشخصية الرئيسية. على الرغم من بساطة الأسئلة والأجوبة، إلا أنها تحمل دلالات وجودية عميقة، وتمثل الصراع الأخير بين غريزتي الحياة والموت.
ومع ذلك، تتناغم النهاية تمامًا مع فلسفة النص ككل. فالانتحار ليس مجرد إنهاء للحياة، بل هو استسلام تام، إذ يرى المرء أن العالم قد حرمه من أي فرصة حقيقية للعيش. وعبارة "في سفر أخير"، التي اختارها الكاتب، تحمل رمزية بالغة. فالموت يعني الانطلاق في رحلة نحو النسيان، وهو ما يبدو أكثر ملاءمة للبطل من تجربة الحياة الواقعية التي مرّ بها.
وختامًا، تُعدّ "سفر أخير" قصة مؤثرة عن إنسان، تُساعد على فهم المشكلات المرتبطة بالتهميش والفقر والاغتراب. إنها قصة تُثير مشاعر التعاطف والتأمل، لأن الكاتب لا ينتقد شخصيتها بقدر ما يدفع القارئ إلى التساؤل عما أوصلها إلى هذا الوضع. باستخدام لغة وصفية وإنشاء إطار نفسي، تمكن الكاتب من تحويل مجرد حالة إلى صرخة إنسان يعاني من الظلم الاجتماعي والاغتراب. نُشرت القصة بموقع "ديوان العرب، يوم السبت 30 مايو 2026.