ذكورة
السيادة للذكر
قصة: ماتيلدا مرواني
قال الأولاد والبنات إن أمى عاهرة، كانوا أربعة: بنتين وولدين، لم يتحدثوا الإنجليزية، فقط الفرنسية، ولذا لم أفهم جيداً الكلمة الأخيرة، الكلمة السيئة، لم تعلمنى أمى تلك الكلمة.
قال بابتيست :
– إنها تعنى سيدة لطيفة جداً جداً.
ضحك الآخرون، وقالت أليس:
– لا. عاهرة، تعنى امرأة تمارس الحب من أجل المال لأنها قذرة، عاهرة فى الشارع.
كنت فد فهمت ذلك، فى البداية جعلتنى اللغة وعمرهم أعتقد أننى قد كذبت، كنت دائما على استعداد أن يتغير العالم،لكى يكتشف شخص ما الحقيقة التى كانت مخبأة حتى ذلك الحين فى أمان تام. تخيلت الحقيقة كشئ قادم .
للحظة ظننت أننى لا أعرف وظيفة أمى. إنها تكسب لقمة العيش بدون ملابس،بل عارية.
قالوا كلمات أخرى أتبوعها بالضحك: مومس، كلبة، دائرة، قذرة، قحبة. أعرف الكلمة الأخيرة. لقد سمعت قحبات فى كلام أمى عندما تكون مستاءة أو منزعجة أو إغاضبة وهى معتقدة أنها وحدها ولا يسمعها أحد، إن الكلمات الأخرى كانت بنفس المعنى أو مثلها أيضا.
قال بابتيست:
انظروا إلى وجهها.
فضحكوا من جديد.
قالت أليس:
– لا داعى للبكاء. والدة مييفا عاهرة أيضاً.
كنت مشوشة، ليس فقط لأن مييفا لم تبدى إنزعاجها لأن والدتها عاهرة، ولكن لأننى علمت أنه من الغريب أن تعمل عاهرة فى قرية كهذه. حيث تعيش العاهرات فى المدن وينتظرن على الأرصفة.
قلت فى هدوء وثقة:
– أمى ليست عاهرة.
قال نيكولاس:
– نعم إنها عاهرة ، لقد خدعت أباك،أليس كذلك؟ مع الرجال المتزوجين مثلا والدة مييفا، هذا ما قالته أمى لى.
قالت أليس:
– لقد أخبرتنى أمى بذلك أيضاً.
قال بابتست:
– وأبى أيضاً، قال إن والدتك حضرت إلى فرنسا لأنها كانت سيئة ولا أحد يريد أن يكون صديقاً لها فى انجلترا،لأنها خدعت والدك مع كثير من الرجال.
سألت:
– كيف عرفتم أنهم كلهم لا يكذبون؟
ضحكوا من جديد.
– إنها لا تعرف حتى كيف تتحدث اللغة الفرنسية، إنها فرنسية ولا تعرف كيف تتكلم الفرنسية .
قالو لى (لقد قلنا لك كل شئ تحتاجين لمعرفته عن كل شئ ).
قلت:
– لكن هناك امرأتان ورجل واحد.
قال نيكولاس:
– لا يغير ذلك من الأمر شيئاً، المذكر يسود.
قالت أليس:
– نعم، المذكر يسود.
كنا جالسين أمام الكنيسة، وجميعنا يشعر بالدفء فى الشمس قالت لى أمى أنهم أطفال صديقاتها وإنهم يودون أن يلعبوا معى.عندما كررت تلك الحقيقة، قالت مييفا: نحن لا نلعب،و لسنا أطفالاً.وقالت أليس : إذا اشتريت لنا مصاصات يمكنك أن تبقى معنا . بطعم الكوكولا واضح . لذلك ركضت عائدة إلى منزل جدتى وأخذت ورقة نقدية بخمسة يورو من بيرطمان. واشتريت لهم أربع مصاصات ثلج ، وكان ذلك عندما قالوا لى أن والدتى عاهرة تقوم بمص مصاصات الثلج؟
عندما انتهوا من الحديث عن العاهرات، سألونى كم عمرى، قلت أنا فى التاسعة، كانت الفتاتان فى العاشرة، قلت لهما تبدوان أكبر منى، أنهما فى الثانية عشرة من عمرهما، وقالت الفتاتان إنهما لم يبلغا أثنى عشر عاماً أبداً، بل أحد عشر عاما فقط، وإنها دائما كاذبتان، ثم طلبوا منى أن أغنى أغنية باللغة الانجليزية، لم يسعنى إلا التفكير فى الشحوم، غنيت أغنية: ’ليالى الصيف‘؟
قال نيكولاس:
– أخبرينا الأن ماذا تعنى تلك؟
حاولت أن أترجم لهم يبد أنهم لم يتوقفوا عن الضحك.
قالت أليس:
– الإنجليز أغبياء جداً.
قالت بابتيست:
– نعم، والامريكان خاصة، ببنادقهم الكبيرة وسيارتهم الضخمة.
– نعم وأعلامهم؟
– نعم وجراحاتهم التجميلية .
تدربت على جملتى فى رأسى لذلك صارت لهجتى واضحة وقلت:
- هذا صحيح . فى انجلترا يقول الجميع أن الفرنسيين أذكياء، ومثيرين جنسياً.
ابتسمت أليس:
– ماذا يقولون أيضاً يا لحمة مشوية؟
قلت:
- يقولون إن الفرنسين يأكلون الضفادع.
همست أليس بشئ فى إذن مييفا، حدقت كلتاهما فى وجهى.
قالت أليس:
– يمكنك القدوم معنا إلى النهر غداً، نحن فى ورطة الأن. سترين إذا ما كنا نأكل الضفادع.
عندما عدت إلى منزل جدتى، قالت لى أمى:
– هل استمتعت بوقتك ياحبيبتى؟
أجبت أننى لم أعد أرغب فى التحدث باللغة الانجليزية، لكن فقط الفرنسية، كان لدينا سلطة كبيرة للعشاء، سألتنى أمى إذا ما كنت أريد نقانق أيضاً، فقالت جدتى: نقانق مع السلطة؟ أنت مجنونة! أدارت أمى عينيها نحوى وقلدت جدتى من خلف ظهرها، وهى تقول: أنت مجنونة. وعندما رفعت ذرلعها لتربت على رأسها انزلق كمها وظهرت كدمات صفراء وزرقاء، عند ذلك فضحكت.
توجهت إلى الثلاجة للحصول على مكعبات ثلج لتكسيرها فى أكوابنا، طلبت منى جدتى أن أترك بعضها فى منشفة حتى تتمكن من وضعها على جبينها الدافىء. لاحظت أن أمى ترتدى سروالاً.
فى سريرى تلك الليلة. تساءلت أية ملابس سباحة أرتدى. أحضرت قطعتين من ذوات القطعة الواحدة ، واحدة مرسوم عليها كلاب والأخرى مرسوم عليها زهور، لم أستطع النوم . أخذت أحدق فى صورة طويلة داخل إطار لجدى المتوفى فوق التسريحة.
التقيت بهم أيام الكنيسة وسرنا إلى النهر وإلى الشجرة وحبل القفز ،جاريتهم فى السير ، كان ذراعى الذى يحمل منشفتى مخدراً تقريبا.
قام والد بابتست بابتست بتركيب الحبل، لذلك طالب بابتست بالدفع كلما أرادات الفتيات القفز. وقف بابتست بالقرب من الحبل، إنه يعطيه فقط لمييفا وأليس بعد أن يمدا ساعديهما، قالتا: لا يؤلم. وعندما جاء دورى قلت: إنه لا يؤلمنى.
انتظرت قليلاً والحبل على جسدى، شاهدونى جميعاً من أدنى النهر. قالت أليس:
– هل أنت دجاجة متبلة؟
صاح بابتست:
– هى فتاة صغيرة.
قفزت. لعله الشئ فقط الأسوأ من أن أكون عاهرة هو فتاة صغيرة.
فى النهر كنا نحبس أنفاسنا تحت الماء، تظاهرت الفتاتان بالغرق وتظاهر الفتيان بإنقاذهما، ثم قام الفتيان بسحب الجزء السفلى من البكينى لكل من مييفا وأليس إلى أسفل، صرخت الفتاتان عليهم لكى يعيدهما، ثم حلت أليس الجزء العلوى من بكينى مييفا وصرخت ’’انظروا ثديى مييفا، وفعلت مييفا الشئ نفسه مع أليس. وقال نيكولاس يبدوان مسطحين مثل ألواح الخبز. عندما ضحكت بدا أنهم قد تذكروا أن الهيئة الموجودة فى الماء كانت فتاة.نظروا إلى وتحدثوا بسرعة، يعلمون أننى لن أفهم إذا كانت أفواهم مغلقة والسنتهم سريعة جداً. بعد دقيقة من الكلام الخفى والضحك المكتوم. سألتنى أليس:
– ماذا يمكن ان تفعلى؟
– ماذا؟
- بالنسبة لى يمكننى الوقوف على يدى تحت الماء. أنت.ماذا يمكنك أن تفعلى؟
قلت أستطيع أن أقوم بتمرين الضغط، عند ذلك صاحوا أن بأن يروا.
قال بابتست وهو يقطع بعض الحشائش من الضفة:
– إذا بقيت أكث من عشر ثوان، سيكون عليك أن تأكلى هذا.
كنت ما أزال ألعب حتى اثنى عشرة ثانيىة، حشا بابتست العشب فى فمى.
كررنا دورة القفز بنفس الترتيب: نيكولاس ثم البنات ثم باتبيست. طلبت منى مييفا أن أغنى أغنية ’’الشحوم‘‘ مرة أخرى، ورقصت الفتاتان ووصفتا أنفسهما بالسباحتين المتوافقين.
– تخيلوا أن هناك جمهور. تخيلوا الأضواء.
أعطاهما الفتيان سبعة من عشرة، فقامت برشهما أليس بالماء.
لقد سئمنا من القفز، استلقينا على صخرة كبيرة وتركنا أجسادنا تجف فى الشمس، تخيلت نفسى فلفلاً وتخيلت بشرتى تتقشر وأردت أن أضحك.
سألتنى أليس:
– كيف كانت تقابل أمك عشاقها؟
كنت فى المنتصف بين مييفا وأليس، أدارت كل منهما رأسها نحو .
قلت:
- ومع ذلك أنت تعرفين، لابد أن تكون تكونى قد رأيتهما أو سمعت مكالمة هاتفية.
قلت:
– نعم، سمعت مكالمة هاتفية.
فتحت عينيها على اتساعهما، ابتسمت جلس الصبيان ونظرا إلى، التقت نحو أليس ورأيت ابتسامتها المنتظرة.قلت :
– هى ... هى تحدثت إلى رجل . من عملها ، كان متزوجاً . من امرأة . وكانت المرأة غاضبة . وخربت أمى. لكمتها ثم أمسكت ذراعيها. لأن زوجها خانها مع أمى. وهى ... قالت إنها عاهرة .
قال بابتست:
– ماذا عن الآخرين؟
قلت:
– نعم.كان هناك رجال آخرون. على سبيل المثال: طبيب طلب من أمى خلع ملابسها ، ثم طلب منى مغادرة الحجرة والانتظار بالخارج. وقال أيضاً أنه فى حاجة إلى التقاط صور.
سألت أليس:
– وهل سمعتيها يمارسان الحب؟
– نعم . سمعتهما يمارسان الحب. لقد أحدثا ضجة كبيرة.
سأل نيكولاس:
– هل شاهدتِ؟
– نعم . كانا عاربين. وكان يواجه ظهرها وقال أنها عاهرة وصرخت.
قال بابتست:
– أمثل ذلك؟
وتأوه وضحكنا جميعا، وضحكت الشمس وضحك النهر.
ذهبنا إلى النهر كل يوم لمدة أسبوعين. اشتريت لهم الأيس كريم أو مصاصات الثلج. سرقت المال من البرطمان ومن محفظة أمى ومن درج طاولة جدتى.
فى اليوم الثالث أحضرت أليس ماكينة حلاقة والدها وحلقت ساقى. و قال الفتيان أننى جميلة.
اكتشفنا جزءاً شديد التيار من النهر، جلسنا جنبا إلى جنب والسيقان مفتوحة فى مواجهة التيار، ممسكين أيدينا بعضنا البعض، كان الهدف من ذلك الثبات ومواجهة اندفاع الماء، كنت دائماً أول من ينجرف بعيداً.
فى اليوم اليوم السابع أحضرت مييفا بيكنى قديماً لأختها وطلبت منى أن أرتديه ذهبت نحو الشجرة، فقالت أليس: لا. هنا.
فى الماء حاول بابتيست أن ينزل إلى أسفل الجزء السفلى من البكينى، فركلته وجعلته أنفه ينزف، دعانى: سالوب (عاهرة بالفرنسية). قالت مييفا:
- إذا لم تقومى بركلهم فسوف يعيدونها ....
اعتذرت وقبلت بابتيست فى خده وقلت له إننى لم أدرك كنت أنت الذى فعل.
فى اليوم العاشر، سألتنى أمى إذا ما كنت أسرق. فقلت لا. فقالت إذا كنت فى حاجة إلى المال اطلبى. لكننا لا تسرق الأشياء التى ليست لنا "أردت أن أسميها منافقة لكننى لم أكن متأكدة من أنها نفس الكلمة باللغة الفرنسية.
فى اليوم الخامس عشر هطل المطر وبقيت فى المنزل،أعدت لى جدتى فطيرة تفاح بالشيكولاتة الساخنة. وقالت:
– كوبك المفضل.
عندما غادرت الحجرة، كشطت كل القلوب الوردية التى على الكوب بسكين.
أمطرت السماء لمدة أسبوع، شاهدت المطر وراقبت أمى، تساءلت ما الأجزاء منها التى كانت أجزاء عاهرة، تساءلت عما إذا كان يمكن تحديد ذلك من شكل الشفة. إذا تساءلت إذا ما كان خصرها خصر عاهرة. تساءلت إذا كانت قد أصابتنى بمرضها.
كانت مييفا قد أعطتنى رقم هاتفها. اتصلت بها. سألتها:
– كيف يمكنك معرفة إذا ما كان شخص ما عاهرة حقاً؟
قالت:
– تعرفين لو كان لديها نقرتان فى أسفل ظهرها، مثل فتحتين صغيرتين فى بشرتها. إنها علامتى قرن الشيطان.
– وماذا بعد؟
– تعرفين إذا ما كانت هناك عاهرة من خلال طريقتها فى النظر إلى للرجال.وإذا ما كانت تلعق شفتيها كثيراً، وإذا كانت تضع الكثير من المكياج وطلاء أظافر أحمر بلون الدم.وإذا كانت ترتدى حمالة الصدر المخرمة. وأيضاً فى الطريقة التى تمشى بها. وإذا حركت وركيها كثيراً.
فتشت فى حقيبة مكياج أمى.حاولت ان أنظر إلى أسفر ظهرها عندما تنحنى أمامى. راقبت شفتيها ، راقبتها وهى تشاهد الممثلين الذكور على شاشة التلفزيون.
قالت:
– هذا براد بيت، إنه وسيم حقاً، ألا تعتقدين ذلك!
قلت:
- لا، إنه مقرف.
أسرعت إلى الطابق العلوى وفتشت فى درج ملابسها الداخلية.عندما استيقظت فى اليوم التالى خلعت بيجامتى ونظرت إلى أسفل ظهرى عبر المرأة.
زاد المطر وصار أكثر غزارة. جعل الأيام بطيئة والتلفزيون مزعجاً، وكان من المستحيل الرؤية خارج النافذة. اتصلت بمييفا مرة أخرى. سألتها:
– هل تعتقدين أن والدى يظن اننى عاهرة أيضاً لأننى ابنتها؟ وهل تعتقدين أن هذا هو السبب فى أنه لا يريد أن يرانى؟
قالت:
– ربما.اسأليها عن موعد قدومه، وبعد ذلك ستعرفين إذا كان هو من لا يريد رؤيتك أم أنها هى التى لا تريدك أن تريه.
تناولنا على العشاء البطاطا المقلية والمحار فى ذلك المساء. وظلت أمى تلعق شفتيها.قلت لها: كفى عن ذلك.وأخدت الفوطة من حجرها ووضعتها على فمها.فتساءلت بنصف ضحكة:
– ماذا جرى؟ هل كل شئ على ما يرام؟
سالت أنا:
– متى يأتى أبى إلى هنا؟
وقفت جدتى واعلنت أنها ذاهبة إلى النوم.
قالت إلى:
– إنه يقيم فى لندن.
– لكن متى سأراه؟
قالت بالانجيليزية:
- لقد تحدثنا عن ذلك يا حبيبتى.
حدجتها بنظرة منكرةوكررت جملتها بالفرنسية.أصبحت مثل البرغوث.
سألت:
– هل سيعيش معنا عندما نعود إلى انجلترا؟
- نحن نقضى الصيف هنا، وبعد ذلك سنرى. حسناً.
أرادت أن تمسك يدى على المائدة ولكننى سحبتها بعيداً. سألت:
– لماذا لا يريد أبى أن يعيش معنا؟
تنهدت، وقفت، نظفت المائدة، قالت:
– الأمر معقد.هل يمكنك تجهيز الحمام لى؟ أنا متعبة للغاية أخبرينى عندما تكون درجة الحرارة مناسبة. أوكيه؟
عندما ابتعدت حدقت فى ظهرها وهمست، ذلك لأنك عاهرة ،لأنك عاهرة، فهذا كله خطأك، لماذا ينبغى أن تكونى عاهرة؟
صعدت إلى الطابق العلوى وقمت بتشغيل صنبور الماء الساخن فى الحمام . فقط الصنبور الساخن.صعدت فى السلم وقلت: إنه جاهز.
أغلقت على نفسى فى غرفتى.انتظرت.سمعتها تصرخ:"قحبة".وفكرت: ذلك هو تعليمها.
(تمت)
المؤلفة: ماتيلدا مروانى/ Mathilde Merouani كاتبة فرنسية من مدينة تولوز الفرنسية، تكتب بالانجليزية وتترجم مقالات ميشيل بوتور إلى الانجليزية، فازت قصصها القصيرة فى مسابقات دولية عديدة .تعيش الكاتبة فى باريس. يمكن الاطلاع على النص الأصلى على موقع الكاتبة من خلال الرابط التالى/ https://www.mathildemerouani.com
