دلالات النص الإيقاعي في البيت 13 من قصيدة غرناطة
دراسة أدبية
دلالات النص الإيقاعي في البيت 13 من قصيدة غرناطة
للشاعر نزار قباني
متلازمة صراع تقليص وتمديد الهوّة
بين أنانية الأنا وهويّة ال هو
مقدمة
بيت القصيد هي عبارة مألوفة تحمل في طياتها معنى الجزء الأهم من ضمن كل مكوّنات الموضوع محل النقاش ، وأحيانا تشير بالضبط إلى مكمن الميزة التي تدور حولها الآراء ، وقد تتعدى كل هذه المعاني إلى دلالة الخاصة المميزة التي يمكن الاكتفاء بها للتعبير عن الظاهرة كلها ،، ومن غير شك فإن كل شاعر لديه مجموعات شعرية أو دواوين منشورة أو مخطوطة ، ومهما بلغ عدد القصائد التي كتبها أو كتبته لا يعلم ولا يدري ولا يرغب أن يجيب عن سؤال حول ما هو بالضبط بيت القصيد في كل محاولة شعرية أبدعها في سياق معين وضمن نسق فني محدد ، لكن القارئ الجيد والناقد المتدرّب وحتى المتذوّق لفاكهة الكلام يستطيع أن يبدي وجهة نظر مقنعة حول البيت الشعري الذي تتلخص فيه كل أنساق القصيدة المختلفة ، وحتى وإن اختلف النقاد والدارسون والقراء الجيدون للشعر في تحديد بيت القصيد فإنّ مبررات الانتقاء يكون لها قدر كاف من المصداقية سواء استندت إلى جانب أكاديمي محض أو لتأسيس نظري جديد أو لتذوق حقيقي للقصيدة محل الدراسة .
وفي هذه الدراسة اخترت من شعر نزار قباني قصيدة غرناطة ، واخترت من تلك القصيدة البيت رقم 13 معتبرا إياه بيت القصيد ، وقمت بحصر الدراسة في نسق حركة الإيقاع الفنية من حيث الأبعاد والدلالات ، وقد تراءى لي أنّ ذلك البيت الشعري ما هو إلّا مجموعة من اللوحات الإيقاعية الفنية التي تخفي بين نسق حركات أمواجها المتهادية دلالات متعددة ومتباينة تشير إلى علاقات متنوعة ومتطورة بين الكينونات الصغرى والكينونات الكبرى التي تعيش بداخل الشاعر ويعيش هو بداخلها ، أو تحيط به ويحيط بها بشكل أوجب عليه إعادة رسم معالمها في لوحة تشكيلية شعرية تختصر فيها المسافات الزمانية والأبعاد المكانية عبر حقبة من التاريخ الكياني العاطفي الضارب بجذوره في عمق الصراعات الوجودية بين كيانين التقيا في نقطة من نقط مسار حركة الزمن وافترقا في نقطة أخرى من نفس المسار ، لتشكل المسافة بين تلك النقطتين سيناريو لقصة عاطفية خالدة يلتقي ضمن حلقاتها الأضداد والأنداد على جحيم النعيم ونعيم الجحيم . وقد اتخذت قرارا بأنّ أبحث عن العلاقات المتسترة خلف العناصر الظاهرة والخفية في حنايا تلك اللوحة الشعرية التي اختصرت زمنا يمتد لثمانية قرون في بيت شعري واحد تشكل في لحظة صادمة داخل كيان الشاعر ليحوّل حقبة زمنية كاملة إلى مشهد تراجيدي مرسوم بالكلمات يشهد على نهاية كاسرة ومكسورة ماسحة وممسوحة بانية ومهدّمة لعلاقة حب عنيف وبداية عسيرة لميلاد ليل الجفاء غير المبرّر بالصورة التي أرادها الزمن كتعبير عن جزء من حتميّات التحوّل ، وأرادها الشعر كمورد من موارد الإبداع وأردتها أنا كنسج لخيوط تربط بين هوايات الزمن ضمن لعبة التغيير وبين غوايات الشعر في لعبة التعبير وبين رؤى النقد في ألعاب التفسير .
افتتاحية
النص الإيقاعي يختلف تماما عن أي نص آخر من حيث النصية والسياق والدلالة وكمية الطاقة النصية الصّادرة ، فهو يحمل ضمن كل عبارة تقنية ناتجة عن التقطيع الحركي السكوني للكلمات ، وكل عبارة حرفية ناتجة عن التقطيع اللفظي للتفعيلة إشارات تنبثق عنها مجموعة غير منتهية من التأويلات الدلالية . وقديما ورغم محاولة طبع النص الإيقاعي بخاصية الدلالة الأحادية المتمثلة في النبرات الموسيقية التي تتحدد ضمن مفهوم التفعيلات إلا أنّ الحركات الإيقاعية من خلال مكوّناتها أظهرت أنها تتضمّن ما لا يمكن تصوّره من الإشارات التي تزيل الحجب عن وجود علاقات بين جزئيات الإيقاع التي تتآلف وتتنافر ، تتلاطف وتتعانف ، تتدانى وتتناءى ، تتناطح وتتصالح لتعبّر عمّا عجزت عن إبرازه الألفاظ ومعانيها والصور البيانية والمنمقات الجمالية المختلفة داخل وخارج المشهد الشعري الذي يريد الشاعر أن يضعه في ألبومه الشخصي ، فيأبى إلّا أن يكون ألبوما كونيا يسع الحياة بكل أزمنتها وأمكنتها وأبعادها الأخرى استنطاقا للغابر وتعرية للرّاهن واستشرافا للآتي .
ومادام التدبر الأعمق يمثل الرابطة بين المتأمل الولهان الظمآن والنص الملآن ، فإن إشارات الجزئيات الإيقاعية هي الوحيدة التي تفسح المجال لعشاقها لملامسة نعومة بنيتها ومسايرة وتيرة حركتها لتظهر ما خفي من رونق سحرها لكل من يقترب من أضواء ظلالها الرافلة على ساحات الإبداع القرائي للنص الإيقاعي الذي قلّد نفسه مكانة المرجعية الأساس التي يمكن من خلالها تصور نصوص خفية بين الحروف والنقاط والحركات تتجاوز ما تبديه الألفاظ والعبارات من تفاعلات مألوفة قابلة للتوقّع القبلي وفهم مكنوناتها بواسطة أدوات ومنهجيات غير قادرة على كشف ما لم يقله الشاعر وقالته القصيدة ، أو ما لم يقله الشاعر وما لم تقله القصيدة ، حيث تصبح القراءة التدبّرية إعادة لتصنيع النص من خلال مكوّناته التي لم تبح بأسرارها والتي ترفض أن تبدي مكنوناتها المتنكرة بأقنعة عائقة للفعل القرائي غير التدبري .
وحتى يتمكن المتدبر للنص الإيقاعي ضمن أنساقه المختلفة من تحديد السياقات والدلالات التي تتناسب مع مقتضيات عملية الفعل التدبري فإن الأمر يستوجب إنشاء مقاربات ملائمة من خلالها يمكن اختيار زاوية معينة لوضع المفاهيم القابلة لأن تصبح أدوات لتحليل المكونات الإيقاعية والكشف عن علاقاتها والبحث عن دلالات تتلخص فيها حلول لمسائل غير مطروحة في النص اللغوي غير الإيقاعي ، واعتبارا من هذا التوجه فإن محاولتي هذه تتعلق أساسا بتحديد جماليات الأنساق الفنية في النص الإيقاعي وبالضبط ضمن طرح سيميوطيقي هرمنيوطيقي تمثل فيه جزئيات النص الإيقاعي علامات وإشارات قابلة للتأويل لكشف خفايا مضمون النص الشعري المشفر انطلاقا من طبيعة الحركات من حيث الثقل والخفة والقوة ، والحروف من حيث السلاسة والهمس والجهر ، والنقاط من حيث العدد والوضع الفوقي والوضع السفلي ... وعلاقة كل ذلك بالموقف الشعري من المسألة المطروحة ضمن النص اللغوي . ( وإذا كان مصطلح السيميولوجيا يرتبط بكل ما هو نظري وبفلسفة الرموز وعلم العلامات والأشكال في صيغتها التصورية العامة، فإن كلمة السيميوطيقا قد حصرها العلماء في ما هو نصي وتطبيقي وتحليلي. ومن هنا يمكن الحديث عن سيميوطيقا المسرح وسيميوطيقا الشعر وسيميوطيقا السينما ) 1 .
1ـ ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، سيميولوجيا ، آخر تحديث 10 مايو 2024
أما الهيرمنيوطيقا فترتبط أساسا بقواعد التأويل في ما يبدو أنه غير قابل للتأويل ، مثل الحركات اللغوية ونقاط الحروف والشدّ والمدّ ضمن تفعيلة معينة من تفعيلات الإيقاعات الشعرية ، وقد قال أمبرتو إيكو ( إن شيئاً ما لا يعتبر علامة إلا لأنه يؤوّل بوصفه علامة من قِبَل مؤوِّلٍ ما ) 2 .
2 ـ ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، علم التأويل ، آخر تحديث 16 يونيو 2024
لقد اختطفني البيت رقم 13 من قصيدة غرناطة للشاعر نزار قباني وأرغمني على التوقف أمام تلك الكينونة الشاسعة التي تراءت لي من خلاله وهي تمزج أزمنة متباينة وتفاعلات كونية متعددة الأنماط تمثّل فيها أنانية الأنا وهويّة الهو قطبي الفعل التأثيري التأثري لتبرز ظاهرة تمدد مساحة الهوّة وتقلصها بين الأنا والهو من خلال سيرورة مشفّرة مختبئة تحت ستار مكوّنات الإيقاع الشعري لذلك البيت ، وباعتبار أن علم الدلالات وعلم التأويل يتلاءمان مع التوجّه السيميوهرمنيوطيقي فقد حاولت أن أتبنى هذا المنهج لفكّ تشفيرات النص الإيقاعي للبيت المشار إليه لإعادة تشكيل مشاهد تلك الحقبة التاريخية كهزات ارتدادية تضرب هيكل الراهن وكأصداء لذكريات من الزمن القادم تحاول إعادة تشكيل مفهوم المستقبل في صورة عالم إيقاعي راقص ناعم متبرّئ من أنانية الغابر وجشعية الراهن .
كامل النص في ملف وورد بسبب كثرة الجداول الملحقة به، ولسهولة قراءته، وتحميله
