خواطر من كتابتي
"مَحَاقُ الرُّوحِ: فِي مَنَافِي الخِذْلَانِ الصَّامِت"
«اعْتَكَفْتُ فِي غُرْفَتِي ذَاتَ يَوْمٍ دُونَ مُغَادَرَتِهَا؛ فَاسْتَوْقَفَ الأَمْرُ جَارَتَنَا، وَسَأَلَتْ وَالِدَيَّ عَنْ سَبَبِ مَغِيبِي، وَلِـمَ لَمْ تَعُدْ تَرَانِي هَذِهِ الأَيَّامَ كَسَابِقِ عَهْدِهَا بِي؟ فَأَجَابَا بِأَنَّنِي مُثْقَلَةٌ بِالدُّرُوسِ الـمُتَرَاكِمَةِ وَالِامْتِحَانَاتِ الكَثِيرَةِ الَّتِي لَا تَنْقَضِي.
لَاحَظَ وَالِدِي أَنَّنِي كَفَفْتُ عَنْ مُطَالَبَتِهِ بِالـمَالِ، فَارْتَسَمَتْ عَلَى ثَغْرِهِ ابْتِسَامَةٌ عَرِيضَةٌ، ظَنّاً مِنْهُ أَنَّنِي نَضِجْتُ وَغَدَوْتُ مُقْتَصِدَةً أُحْسِنُ التَّصَرُّفَ وَالتَّدْبِيرَ. أَمَّا أُمِّي فَقَدِ انْدَهَشَتْ لِـزُهْدِي فِي تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَانْعِدَامِ شَهِيَّتِي بَعْدَ أَنْ كُنْتُ ذَاتَ نَهَمٍ وَشَرَاهَةٍ، فَعَلَّلَ أَبِي الأَمْرَ بِأَنَّنِي "أَتَذَمَّرُ" وَ "أَتَدَلَّلُ"، بَيْنَمَا رَأَتْ وَالِدَتِي أَنَّنِي أُعَانِي عَرَضاً صِحِّيّاً أَوْ ضَغْطاً دِرَاسِيّاً.
حَتَّى أُخْتِي، اسْتَغْرَبَتْ وَبَلَغَ مِنْهَا الذُّهُولُ مَبْلَغَهُ؛ كَيْفَ تَوَقَّفْتُ عَنْ مُشَاكَسَتِهَا وَالتَّشَاجُرِ مَعَهَا عَلَى أَتْفَهِ الأُمُورِ، وَكَيْفَ هَجَرْتُ خِزَانَةَ مَلَابِسِهَا الَّتِي كُنْتُ أَسْتَلِبُهَا خِفْيَةً، فَضَحِكَتْ وَخَالَتْ أَنَّ الرُّشْدَ قَدْ أَدْرَكَنِي أَخِيراً! وَأَرْدَفَ أَخِي بِأَنَّ رَأْسَهُ قَدِ اسْتَرَاحَ مِنْ ثَرْثَرَتِي الـمُسْتَمِرَّةِ وَأَحَادِيثِي الـمُمِلَّةِ.. وَأَمَّا صَدِيقَتِي الـمُقَرَّبَةُ فَظَنَّتْ أَنَّ الِانْشِغَالَ قَدْ سَرَقَنِي مِنْهَا، إِذْ لَمْ أَعُدْ أُهَاتِفُهَا وَأُرَاسِلُهَا كَمَا كُنْتُ أَفْعَلُ.
لَكِنَّهُمْ جَمِيعاً.. لَمْ يَفْهَمُونِي! لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَةَ مَشَاعِرِي وَمَا أَمُرُّ بِهِ، لَمْ يُدْرِكُوا أَنَّنَا افْتَرَقْنَا إِلَى الأَبَدِ حِينَهَا، لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّنِي فِي ذَلِكَ اليَوْمِ وَضَعْتُ مَسَافَةً شَاسِعَةً جِدّاً بَيْنَنَا. لَقَدْ كُنْتُ آنَذَاكَ وَحِيدَةً، تَعِيسَةً، مَقْهُورَةً، وَعَلَى حَافَّةِ الِانْهِيَارِ، أُصَارِعُ هَوَاجِسِي وَمَخَاوِفِي بِمُفْرَدِي، دُونَ كَتِفٍ أَسْتَنِدُ عَلَيْهِ أَوْ يَدٍ تُرَبِّتُ عَلَى وَجَعِي. لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّنِي أَحْمِلُ فِي قَلْبِي آلَافَ الـحُرُوقِ وَالـحُرُوبِ الَّتِي يَعْجِزُونَ عَنِ اسْتِيعَابِهَا، وَأَنَّنِي تَجَرَّعْتُ مَرَارَةَ الخِذْلَانِ حَتَّى ضِقْتُ ذَرْعاً.
مِنْ فَرْطِ اعْتِيَادِي عَلَى الـضَّحِكِ وَتَوْزِيعِ الفَرَحِ، ظَنُّوا أَنَّنِي أَسْعَدُ الـخَلَائِقِ، وَالـحَالُ أَنَّنِي هَشِيمٌ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، بِالكَادِ أُرَمِّمُ شَتَاتَ نَفْسِي وَأُوَارِي تِلْكَ البَعْثَرَةَ فِي دَاخِلِي. وَالوَاقِعُ أَنَّنِي صُدِمْتُ بِكُلِّ مَنْ حَوْلِي حَتَّى كَفَرْتُ بِالثِّقَةِ فِي أَيِّ بَشَرٍ. أَكْبِتُ أَنِينِي وَأَمْضِي، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَتَضَاعَفُ تِيهِي وَاغْتِرَابِي عَنْ ذَاتِي، كَأَنَّنِي طَرِيدَةٌ ضَائِعَةٌ فِي غَابَةٍ حَالِكَةِ الظَّلَامِ، تَلْتَهِمُنِي عَتَمَتُهَا، بَيْنَمَا أَتَآكَلُ فِي كُنْهِي بِلَا هَوَادَةٍ..»
"مُنَاظَرَةُ العِشْق: بَيْنَ مَنْطِقِ الـخَلْقِ وَيَقِينِ الـحَقِّ"
«يَقُولُونَ: الـحُبُّ أَعْمَى، وَهِيَ تَقُولُ: بَلْ أَصَابَنِي العَمَى حِينَ أَحْبَبْتُ لَئَلَّا أَرَى سِوَاهُ. يَقُولُونَ: الـحُبُّ جُنُونٌ، وَهِيَ تَقُولُ: أَنَا أَعْظَمُ مَجَانِينِ هَذَا العَالَـمِ هِيَاماً. يَقُولُونَ: سَتَتَجَرَّعِينَ مِنَ الـخَيْبَاتِ وَالِانْتِكَاسَاتِ كُؤُوساً، وَهِيَ تَقُولُ: سَأَصْطَبِرُ وَأَتَحَمَّلُ، وَسَأَتَدَرَّعُ بِالصَّبْرِ وَالـجَلَدِ الـمُرِّ.
يَقُولُونَ: الـحُبُّ ضَعْفٌ وَهَوَانٌ، عَنَاءٌ وَشَقَاءٌ؛ وَهِيَ تَقُولُ: بَلْ بِالـحُبِّ سَأَخْلُقُ مَوْطِنَ صَلَابَةٍ وَتَمَاسُكٍ، وَأَبْنِي صُرُوحاً مِنَ الصُّمُودِ وَالثَّبَاتِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. يَقُولُونَ: الـحُبُّ انْتِحَارٌ بَطِيءٌ، وَهِيَ تَقُولُ: سَأَمُوتُ وأَفْنَى حُبّاً، وَفِي فَنَائِي بَقَائِي.
يَقُولُونَ: الـحُبُّ شَجَنٌ عَمِيقٌ، وَهِيَ تَقُولُ: سَأَتَجَاوَزُ مَخَاضَ الـمُعَانَاةِ لَا مَحَالَةَ، وَسَتَبْزُغُ شَمْسِي فِي الأُفُقِ بَعِيداً عَنْ عَثَرَاتِي، سَأَلُوحُ بَعْدَ نَكْبَتِي كَنَجْمَةٍ ثَاقِبَةٍ فِي كَبِدِ سَمَاءٍ حَالِكَةٍ. يَقُولُونَ: الـحُبُّ خُرَافَةٌ أَوْرَثَهَا الأَقْدَمُونَ، وَهِيَ تَقُولُ: كَلَّا، الـحُبُّ يَرْبِضُ هَاهُنَا، لَكِنَّهُ نَادِرٌ نُدْرَةَ الغَيْثِ فِي أَيَّامِ القَحْطِ، لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا صَادِقٌ أَمِينٌ، مُخْلِصٌ وَفِيٌّ نَذَرَ نَفْسَهُ لِلْـمَوَدَّةِ...»
"عَلَى عَتَبَاتِ العَدَمِ: رِثَاءُ اللَّحْظَةِ المَفْقُودَةِ"
«وَدَائِماً مَا أَجِدُ نَفْسِي عَالِقَةً فِي فَجْوَةٍ عَمِيقَةٍ لَا يَعْبُرُهَا الوَقْتُ وَلَا يَتَحَمَّلُ المُكُوثَ فِيهَا العَقْلُ، بَيْنَ ذَاكِرَةٍ قَوِيَّةٍ تَرْفُضُ أَنْ تَمُوتَ، وَبَيْنَ غَدٍ مَجْهُولٍ يَأْبَى أَنْ يَتَّضِحَ... ذَلِكَ المَاضِي اللَّعِينُ يُطَارِدُنِي بِتَفَاصِيلِهِ الصَّغِيرَةِ؛ كَهَاجِسٍ مُخِيفٍ، كَوَحْشٍ ضَارٍ، أَوْ بِالأَحْرَى كَشَبَحٍ مُرْعِبٍ يُلَاحِقُنِي بِاسْتِمْرَارٍ وَيَجُرُّنِي إِلَى الخَلْفِ كُلَّمَا حَاوَلْتُ التَّقَدُّمَ إِلَى الأَمَامِ. يُلَاحِقُنِي بِكَلِمَاتٍ جَارِحَةٍ حُبِسَتْ فِي حَنْجَرَتِي، وَبِوُجُوهٍ مَأْلُوفَةٍ غَادَرَتْنِي فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنَّهَا بَاطِنِيّاً مَا زَالَتْ تَقْبَعُ فِي جَوْفِي وَتَمْكُثُ فِي أَعْمَاقِي.
مَا زِلْتُ أَشْعُرُ بِثِقَلِ الأَمْسِ جَاثِماً عَلَى صَدْرِي؛ يُؤْلِمُنِي وَيُؤْذِينِي، يَحْرِقُ قَلْبِي وَيُنْهِكُ عَقْلِي، يُتْعِبُنِي وَيُرْهِقُ رُوحِي، يَخْنُقُنِي وَيَسْتَنْزِفُنِي وَيَقْتُلُنِي. مَا زِلْتُ أَشْعُرُ بِهِ وَكَأَنَّنِي أَرَاهُ وَأُصْغِي إِلَيْهِ، يَمْنَعُنِي مِنَ التَّنَفُّسِ إِلَى الآنَ... كُلَّمَا حَاوَلْتُ الِالْتِفَاتَ إِلَى المُسْتَقْبَلِ وَمُوَاصَلَةَ حَيَاتِي وَكَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَحْدُثْ، وَاجَهَنِي صَمْتٌ مُطْبِقٌ، فَرَاغٌ صَامِتٌ، سَوَادٌ مُوحِشٌ، عَدَمٌ لَا مَلَامِحَ لَهُ. أَقِفُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ حَائِرَةً مُتَوَجِّسَةً، لَا أَمْلِكُ شَجَاعَةَ العَوْدَةِ إِلَى بُيُوتٍ سَكَنْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ هَجَرْتُهَا وَهَجَرَتْنِي، وَلَا أَمْلِكُ يَقِينَ الوُصُولِ إِلَى وِجْهَةٍ لَمْ تُرْسَمْ عَلَى خَرِيطَتِي. أَخَافُ التَّرَاجُعَ إِلَى الخَلْفِ فَأَتَأَلَّمَ وَأَنْكَسِرَ وَأَتَجَرَّعَ مَرَارَةَ الخِذْلَانِ وَالظُّلْمِ مُجَدَّداً، وَأَخْشَى التَّقَدُّمَ إِلَى الأَمَامِ وَالمُضِيَّ قُدُماً فَأَتَعَرَّضَ إِلَى خَيْبَاتِ أَمَلٍ جَدِيدَةٍ وَأَهْوِيَ إِلَى أَعْمَاقٍ سَحِيقَةٍ أَجْهَلُ مَا فِيهَا...
لَا أَعْلَمُ! رُبَّمَا تِيهِي وَضَيَاعِي الحَقِيقِيُّ يَكْمُنُ فِي أَنَّنِي نَسِيتُ كَيْفَ أَعِيشُ اللَّحْظَةَ!! نَسِيتُ كَيْفَ أَفْرَحُ وَأُفَكِّرُ فِي نَفْسِي بَدَلَ التَّفْكِيرِ فِي الآخَرِينَ وَفِي العَالَمِ مِنْ حَوْلِي. مِنْ شِدَّةِ تَعَوُّدِي عَلَى الخَسَائِرِ وَالهَزَائِمِ، عَلَى الحُزْنِ وَالوَجَعِ، عَلَى اليَأْسِ وَالقُنُوطِ، عَلَى الفَشَلِ وَالتَّشَاؤُمِ، عَلَى التَّعَبِ وَالإِرْهَاقِ وَعَلَى التَّجَارِبِ القَاسِيَةِ وَالِانْكِسَارَاتِ المُجْحِفَةِ، نَسِيتُ مَاهِيَّةَ السَّعَادَةِ وَالسُّرُورِ؛ فَكُلُّ فِكْرَةٍ تَنْتَابُنِي الآنَ هِيَ إِمَّا لَوْمٌ وَعِتَابٌ لِمَا مَضَى وَفَاتَ، أَوْ خَوْفٌ وَقَلَقٌ مِمَّا سَيَأْتِي.
غَدَوْتُ أُسَافِرُ فِي مَحَطَّاتٍ مَهْجُورَةٍ خَالِيَةٍ، أَنْتَظِرُ شَيْئاً لَا أَعْرِفُ هُوِيَّتَهُ وَلَا كُنْهَهُ، وَأَبْكِي عَلَى شَيْءٍ قَدْ وَلَّى وَانْدَثَرَ وَأَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يَعُودَ. أَنَا العَالِقَةُ بَيْنَ البَيْنَيْنِ، أَسِيرَةُ المَسَافَةِ، لَا الأَمْسُ أَشْفَقَ عَلَيَّ فَتَرَكَنِي وَأَطْلَقَ سَرَاحِي، وَلَا الغَدُ أَكْرَمَنِي وَقَبِلَ اسْتِضَافَتِي... كأنني عبثا أحاول، فكل محاولاتي تذهب سدى أدراج الرياح، و أما أنا فأبقى جاثية في البقعة نفسها، أسعى و أبذل كل ما أملك، و أسير كثيرا لكنني لا أشعر أنني غادرت مبرحي يوما...
