تمثلات فلسطين في الرواية العربية
تمثلات فلسطين في الرواية العربية
روايتي«باب الشمس» لإلياس خوري، و"الطنطورية" لرضوى عاشور أنموذجًا
مستخلص البحث:
تناول هذا البحث تمثلات فلسطين في الرواية العربية، مع التركيز على دراسة روايتي "باب الشمس" لإلياس خوري (1998) "الطنطورية" لرضوى عاشور (2010) كنماذج تمثيلية. يهدف البحث إلى تحليل كيفية معالجة الروائيين للقضية الفلسطينية، وإبراز تنوع صور فلسطين داخل الأعمال السردية، ودراسة التقنيات السردية المستخدمة مثل الذاكرة، تعدد الأصوات، وبناء الزمن، ودورها في تعميق الدلالة الرمزية والفكرية للقضية الفلسطينية.
ركز البحث على فلسطين بوصفها فضاءً للذاكرة والهوية والمقاومة الثقافية، حيث تعكس الروايتان أثر النكبة والمنفى والمخيمات في تشكيل الوعي الفلسطيني، مع إبراز دور السرد والحكي في مواجهة النسيان وإعادة كتابة التاريخ من منظور الضحايا. كما يستعرض البحث كيفية تحويل التجربة السياسية الفلسطينية إلى خطاب روائي متعدد الأبعاد يجمع بين الجمالي والتاريخي والسياسي، ويبرز دور الرواية في صون الهوية وإبقاء القضية الفلسطينية حيّة في الوعي الثقافي.
واستفاد البحث من المقارنة بين الروايتين لإظهار الفروق في أساليب التمثيل؛ ففي "باب الشمس" يركز السرد على الذاكرة الجماعية والحكاية الشفوية، بينما في "الطنطورية" يظهر الوعي المقاوم ودور المرأة الفلسطينية كحاملة للتاريخ والهوية، مع استخدام أساليب تيار الوعي والرمزية. كما يناقش البحث البنية السردية واللغة والأسلوب، حيث تتنوع بين اللغة المكثفة الرمزية والشعرية واللغة اليومية الواقعية، لتعكس الألم والغياب والمقاومة بشكل جمالي.
وخلص البحث إلى أن الرواية العربية المعاصرة تمثل أداة أساسية لإعادة إنتاج الوعي الجمعي العربي، ومقاومة محاولات الطمس التاريخي، وإبراز فلسطين كرمز ثقافي وجمالي وإنساني يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، مع التأكيد على أهمية الأدب في حفظ الذاكرة وتشكيل الوعي بالقضية الفلسطينية عبر الأجيال.
المقدمة:
القضية الفلسطينية واحدة من أبرز القضايا حضورًا في الأدب العربي المعاصر، إذ تحولت من كونها حدثًا تاريخيًا وسياسيًا إلى فضاء جمالي ودلالي ساهم في تشكيل الوعي العربي المعاصر، وقد أثَّر هذا الحضور بجلاء في الرواية العربية التي وظّفت القضية الفلسطينية كمادة سردية تعيد إنتاج الذاكرة الجماعية، وتوثيق التحولات في الهوية، ومواجهة محاولات الطمس التي رافقت النكبة وما بعدها.
وتعدُّ الرواية العربية من أهم الأجناس الأدبية التي استجابت للتحولات التاريخية الكبرى، وكان للقضية الفلسطينية دور مركزي في القرن العشرين، خاصة بعد نكبة 1948م التي ساهمت في تشكيل مفهوم الهوية والمكان، وجعلت فلسطين رمزًا للمقاومةـ وقد أفرزت النكبة السرد الفلسطيني المقاوم، إذ اتجه الروائيون العرب إلى جعل الكتابة وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية ومقاومة محاولات الطمس والإلغاء.
ومع تطور الدراسات الأدبية النقدية، لم تعد الرواية مجرد مرآة للواقع، بل إعادة تشكيل له عبر التقنيات الفنية المتنوعة كتعدد الأصوات، وتداخل الأزمنة، واستحضار الذاكرة والمنفى، فالرواية العربية تعيد قراءة التاريخ من منظور من تعرضوا للنكبة، من خلال تداخل البني السردية مع البنى الفكرية للقضية الفلسطينية. كما امتد حضور فلسطين في الرواية العربية ليشمل كتابات الروائيين العرب غير الفلسطينيين، مما ساهم في جعل فلسطين رمزًا مركزيًا يتجاوز حدود المكان معبرًا عن الصراع الإنساني مع الاحتلال والغياب
لقد تطورت الرواية العربية التي تناولت فلسطين من الكتابة التاريخية المباشرة إلى الكتابة الفنية ذات الرمزية والتكثيف وتعدد الأصوات، ما يعكس قدرة الروائي على تحويل التجربة السياسية إلى بنية سردية متعددة المستويات، ولم يقتصر حضور فلسطين على الكتاب الفلسطينيين، بل امتد إلى عدد من الروائيين العرب الذين جعلوا القضية الفلسطينية محورًا أساسيًا في أعمالهم، ليصبح فلسطين رمزًا سرديًا عربيًا مشتركًا يعكس الهمَّ الجمعي، متجاوزًا حدود الجغرافيا، حيث تحولت فلسطين في الرواية العربية إلى مكانٍ متخيَّلٍ يحمل طاقات رمزية كثيفة، تبرز علاقة الإنسان العربي بالأرض العربية والذاكرة الجمعية والتاريخ المشترك في سياق الاحتلال والتهجير.
تمثل البنية الفنية والسردية في الرواية العربية الوسيلة الأهم لتمثيل فلسطين، إذ لم يعد الأمر مجرد توثيق مباشر للأحداث، بل بناء فني يعكس تعقيد التجربة الفلسطينية بين الوطن والمنفى والذاكرة ، ويبرز ذلك من خلال أبرز التقنيات الفنية والسردية مثل الذاكرة وإعادة بناء الزمن، حيث يكون الزمن في الرواية الفلسطينية غير خطي، أي أنه متسمٌ بالتشظي والاسترجاع، ما يعكس الانقطاع المستمر بين الماضي والحاضر والمستقبل ويسهم في فهم الهوية ، بالإضافة إلى اللغة والأسلوب التي تتراوح بين اللغة الرمزية المكثفة والشعرية وبين اللغة
أهداف البحث
يهدف هذا البحث إلى ما يلي:
1. دراسة تمثلات فلسطين في الرواية العربية من خلال تحليل معالجة الروائيين للقضية الفلسطينية داخل أعمالهم السردية.
2. توضيح تنوع صور فلسطين في الروايات العربية، وبيان أوجه الاختلاف في تقديمها سرديًا.
3. تحليل أبرز التقنيات السردية المستخدمة، مثل الذاكرة وتعدد الأصوات وبناء الزمن، ودورها في تعميق الدلالة.
4. إبراز دور الرواية العربية في حفظ الذاكرة الفلسطينية وتشكيل الوعي بالقضية.
أهمية البحث:
تنبع أهمية هذا البحث من تناوله القضية الفلسطينية بوصفها من أبرز القضايا التي شغلت الفكر العربي، وكان لها حضور بارز في الرواية العربية. كما يسلط الضوء على الرواية بوصفها وسيلة فنية لا تكتفي بتوثيق الواقع، بل تعيد تشكيله ضمن رؤية جمالية وفكرية، وتتجلى أهمية البحث كذلك في إسهامه في فهم كيفية توظيف السرد الروائي العربي المعاصر في التعبير عن القضايا التاريخية والسياسية، وتحويل فلسطين إلى رمز أدبي وثقافي متعدد الدلالات.
منهجية البحث
اعتمدت الباحثة في هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي النقدي، حيث تم تحليل روايتي "باب الشمس" لإلياس خوري و"الطنطورية" لرضوى عاشور لفهم تمثلات فلسطين في الأدب الروائي. ويشمل التحليل دراسة النصوص للكشف عن الرموز والمكان والشخصيات والهوية الفلسطينية، النكبة، اللجوء، والذاكرة. كما استخدمت الدراسة المنهج المقارن للمقارنة بين تمثلات فلسطين في الروايتين.
حدود البحث:
يقتصر هذا البحث على الفترة الزمنية التي صدرت فيها الروايتان محل البحث، إذ صدرت رواية "باب الشمس" لإلياس خوري عام 1998، ورواية "الطنطورية" لرضوى عاشور عام 2010.
الدراسة التطبيقية:
تتناول الباحثة في هذا المحور تمثلات فلسطين في الرواية العربية من خلال التالي:
أولاً: تمثلات فلسطين في رواية باب الشمس لإلياس خوري 1998م.
ثانياً: تمثلات فلسطين في رواية الطنطورية لرضوى عاشور 2010م.
أولاً: تمثلات فلسطين في رواية باب الشمس لإلياس خوري 1998م.
رواية باب الشمس للكاتب إلياس خوري صدرت عام 1998، ويقع حجمها في نحو 530 صفحة، وهي من أبرز الأعمال التي تناولت تجربة اللجوء الفلسطيني بعد النكبة؛ إذ تروي حكاية الفدائي يونس وعلاقته بزوجته نهيلة التي كان يلتقيها سرًا في مغارة تُسمى "باب الشمس"، بينما يُسند السرد إلى شخصية خليل الذي يحاول عبر الحكايات إحياء ذاكرة يونس وهو في غيبوبة، لتتشابك القصص الفردية مع التاريخ الجمعي، وتتمحور الفكرة الرئيسية للرواية حول الذاكرة بوصفها وسيلة لمقاومة النسيان وحفظ الهوية الفلسطينية، إلى جانب طرحها أسئلة عميقة عن الوطن والبطولة والهزيمة ومعنى البقاء
1. فلسطين بوصفها ذاكرة سردية مفتوحة
تقوم رواية "باب الشمس" على بناء فلسطين بوصفها ذاكرة سردية غير مغلقة، تتشكل من خلال الحكايات المتنوعة للشخصيات الفلسطينية التي تسكن المخيمات، ليست الرواية تاريخًا خطيًا للنكبة، بل إعادة إنتاجها عبر الذاكرة الشفوية، حيث تتحول فلسطين إلى نص مفتوح تُعاد كتابته عبر السرد، كوسيلة لحفظ الهوية في مواجهة محاولات الطمس يقول:"أنا عشت معها ومن أجلها، ففلسطين ليست قضية،بلى! بمعنى ما ، لكنها ليست ، فالأرض لاترحل من مكانها، هذه الأرض ستبقى والمسألة ليست لمن السيطرة، فالسيطرة على الأرض وهم. لا أحد يسيطر على الأرض مادام سينتهي مدفونا فيها. الأرض تسيطر على الجميع وتأخذهم إليها.."
2. المخيم بوصفه فضاء لإنتاج الهوية الفلسطينية
يحتل المخيم مركزًا بنيويًا في تشكيل الهوية الفلسطينية، فليس فضاء للمعاناة فقط، بل مساحة لإعادة إنتاج الذات في المنفى، وتعكس الحياة داخل المخيم التوتر بين الفقد والاستمرار، الماضي الذي لا يغيب والحاضر الذي لا يكتمل، ويصبح المخيم وطنًا مؤقتًا دائمًا يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وذاكرته الجماعية. يقول:" لبست ثيابي العسكرية،حملت جعبة صغيرة،وأخذت بندقيتي ومشيت. نظرت إلى الوراء،فرأيت المخيم كتلة من الحجارة، وأحسست أني أخرج هذا المكان من جلدي. فجأة بدا المخيم كتلة من الخراب، ومكانا غير صالح للسكن، فقررت مغادرته إلى الأبد. ماذا أفعل في المخيم بعد انسحاب الفدائيين؟ ...
3. النكبة كزمن ممتد
تعالج الرواية النكبة باعتبارها زمنًا ممتدًا لا حدثًا منغلقًا، إذ تتكرر آثارها في حياة اللاجئين عبر أجيال مختلفة. النكبة ليست لحظة 1948 فقط، بل حالة مستمرة من الفقد والاقتلاع وإعادة التشكل، وتتداخل الأزمنة داخل السرد بحيث يختلط الماضي بالحاضر في بناء روائي يعكس طبيعة الذاكرة الفلسطينية. "في ذلك الزمن، قضى يونس ستة عشر شهرا متواصلة في الغابة.لم يقل لنهيلة إنه يعيش بالقرب منها.كان يزورها مرتين في الأسبوع، وهي تعجب من قدرته على قطع كل تلك المسافات والأخطار. لم يقل لها إنه لايقطع المسافات،بل يقطع الوقت.فالوقت صار صليبه في أيام الانتظار ولياليه"
4. الحب والحكاية كفعل مقاومة
تصبح العلاقات العاطفية بين الشخصيات، مثل علاقة :يونس ونهيلة، جزءًا من المقاومة، حيث يمثل الحب والحكاية وسيلة للحفاظ على الحياة في ظل الموت المستمر، فالسرد محاولة لتثبيت الوجود الإنساني في مواجهة الغياب والنسيان. "نهيلة تقول إنها حين تشتاق إلى زوجها، تلبس إبراهيم بيجامته فتنحل المشكلة، ويونس يخبرها أنه حين لايخلع قميصه، فهذا يعني أنه مشتاق إليها وإلى ابنها."انظري" تمزق القميص ولم أخلعه، هذا يعني أني اشتقت كثيرا، ويعني أيضا أنك يجب أن تخيطي لنا ثيابا جديدة" .
5. الذاكرة الشفوية وإعادة كتابة التاريخ
تعتمد الرواية على السرد الشفوي لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني من منظور الضحايا، وليس الرواية الرسمية، حيث تُروى الأحداث عبر شهادات متعددة، ما يمنح النص طابعًا تعدديًا يكسر فكرة الحقيقة الواحدة، وتصبح الذاكرة مساحة صراع بين النسيان والتذكر. "سألتها عن المستعمرة الإسرائيلية الجديدة، التي تبنى قرب دير الأسد، ثم وقفت وقلت إنك ستنتقم، ومشيت خارجا. أمسكتك من يدك. وأعادتك إلى المغارة وروت القصة من جديد.قالت:إن إبراهيم كان يلعب مع الأطفال الآخرين.قالت إن المستعمرة الجديدة كانت تطلع على الأرض كنبات وحشي..." .
6. فلسطين رمز عالمي للمقاومة والاقتلاع
تتجاوز الرواية البعد المحلي لتجعل فلسطين رمزًا عالميًا للمنفى والبحث عن العدالة. فالتجربة الفلسطينية ليست حالة خاصة، بل نموذج إنساني يمكن إسقاطه على تجارب استعمارية أخرى في العالم، فتتحول فلسطين إلى معنى كوني يتجاوز الجغرافيا إلى الوعي الإنساني العام. يقول: "مارأيك بالدنمارك؟ أنت تعرف الدكتور نعمان الناطور،أنا لا أعرفه،لكنه كتب مقالا جعلني أبكي،لم أبك على عكا القديمة التي تكاد تتساقط، بل بكيت على المفتاح. هل أخبروك ماذا جرى لنعمان؟ وصل إلى عكا فهو لايستطيع زيارة إسرائيل لأنه يحمل جوازا دانماركيا. ركب الطائرة في مطار كوبنهاغن وحط في مطار اللد،خرج كالمسافرين العاديين، قدم جوازه لرجل الأمن وانتظر،أخذ الرجل الجواز، تمعن فيه،وطلب من الدكتور نعمان الانتظار." .
ثانياً: تمثلات فلسطين في رواية الطنطورية لرضوى عاشور 2010م.
تقع رواية الطنطورية في 463 صفحة، موزعة على 58 فصلاً. ترويها الكاتبة على لسان البطلة "رقية الطنطورية"، فهي رواية شخصية البطل ورواية تيار الوعي في آنٍ واحد. وقد دوّنتها الكاتبة رضوى عاشور على شكل مذكرات، متداخلة السرد مع أنواع أخرى، وشكّلت نصها من مقاطع سردية ووصفية وحوارية، صريحة ومضمرة . تسأل الكاتبة: لماذا "الطنطورة"؟ وتجيب: "اخترت قرية من الساحل الفلسطيني لأن الجميع يتحدث الآن عن الضفة وغزة. قررت أن أحكي حكاية اللاجئين، لأنها أصل الحكاية..".
1. فلسطين مشروعٌ لتحرير الوعي
تتجاوز رواية "الطنطورية" حدود السرد التاريخي للأحداث إلى بناء وعي مقاوم يرتكز على استعادة الذاكرة الفلسطينية من محاولات الطمس، ففلسطين في الرواية ليست مجرد أرض مغتصبة، بل هي وعي مهدد بالاقتلاع؛ لذا يتحول السرد إلى شكل من أشكال التحرير الرمزي، ولا تكتفي الراوية بسرد الأحداث، بل تعيد تشكيل الطريقة لفهمها، بحيث يصبح الوعي الفلسطيني وعيًا متجددًا يقاوم التهميش، ويعيد إنتاج الهوية عبر الذاكرة الشفوية والكتابة. "تدهشني سرعة مريم في التقاط اللهجة المصرية وأمثالها وتعبيراتها الدارجة".
2. النكبة حدث يؤسس لتشظي الوعي الفلسطيني
تعالج الرواية النكبة بوصفها لحظة تأسيسية لتشظي الوعي الفلسطيني ذاته، حيث لم يعد الإنسان الفلسطيني قادرًا على إدراك ذاته بوصفه كيانًا مستقرًا. فالنكبة في الطنطورية ليست حدثًا منتهيًا، بل بنية ممتدة تعيد إنتاج الألم في كل جيل، ويظهر هذا التشظي في ازدواجية الشعور بين الانتماء للماضي والرغبة في التكيف مع الحاضر، مما يخلق حالة من “الوعي المزدوج” الذي يعيش بين الذاكرة والواقع، تقول: "عرفتها بنفسي،قلت إنني من الطنطورية،وإنني زوجة الدكتور أمين في الهلال الأحمر الفلسطيني، قالت نحن من سعسع، هل تعرفينها؟ وفرت علي الحرج لأنها لم تنتظر جوابي،راحت تحكي لي عنها وعن المجزرتين اللتين وقعتا فيها...".
3. المخيم فضاء لإعادة إنتاج الوعي المقاوم
ليس المخيم في رواية الطنطورية مجرد مكان جغرافي، بل فضاء معرفي يعيد إنتاج الوعي الفلسطيني في ظروف اللجوء. فهو مساحة تتشكل فيها سرديات المقاومة اليومية، حيث يتحول الحرمان إلى دافع لإعادة تعريف الذات، كما يمثل المخيم حاضنة للذاكرة الجماعية، تتناقل فيها الحكايات والرموز والهوية من جيل إلى آخر، مما يجعله فضاءً لإعادة بناء الوعي الوطني في مواجهة التشتت، تقول: "أولاد المخيم يجتهدون في المدرسة صباحا ويعملون مساء لكسب قوت يومهم ويتفوقون رغم أنه ينقصهم كل شيء. ما الذي ينقصكم؟ يمكن يا جماعة لاحظت في طفولتنا علامات تخلف عقلي أو رأت ما يؤكد أننا نزلنا من المريخ! أو يمكن بابا كشف علينا وهمس في أذنها مذعورا: غريب يارقية، في الأولاد الثلاثة عيب خلقي لم يرد علي من قبل. مكان القلب، حجر صغير ناعم بحجم بيضة كبيرة، أملس وصلد،لا دم ولا لحم ولا أعصاب،معجزة مخيفة لاحول ولاقوة إلا بالله. يواصل: المخيم تعيش فيه أو خارجه هو حكايتك لامهرب لك منها. ... " .
4. المرأة الفلسطينية حاملة للوعي التاريخي والوجداني
تبرز الرواية الدور المركزي للمرأة الفلسطينية في حفظ الوعي الجمعي ونقله عبر الأجيال. فالنساء يقمن بدور "الحافظات" للتاريخ غير المكتوب، ويصبح السرد الشفوي وسيلة مقاومة ضد محو الهوية. والمرأة في الطنطورية نموذج للصمود الذي لا يقوم على المواجهة المباشرة فقط، بل على الاستمرار في الحياة رغم فقدان الوطن. تقول: "وقالت لأختها: قومي معي.؟ اتجهت إلى البلد لتحصد بعض القمح،في المساء عادت أختها بثوب ممزق، وآثار اللطم واضحة على وجهها وطلبت من بعض شباب الفريديس أن يساعدوها على نقل جثة أختها التي دهمتها سيارة عسكرية. قالت : داسوها قصدا"
5. المنفى وإعادة تشكيل الهوية
المنفى حالة وجودية تعيد تشكيل الوعي الفلسطيني، إذ لا يستطيع الفلسطيني الانتماء الكامل لأي مكان، فالمنفى انتقال في الوعي والذاكرة والانتماء، يولّد شعورًا دائمًا بعدم الاكتمال، ويعزز التمسك بالهوية الوطنية كمرجع أخلاقي وثقافي، وبذلك يغدو المنفى مساحة لإعادة التفكير في معنى الوطن والهوية والوجود، "تقول أم الصادق: الحمد لله أن الصادق وحسن هربا إلى مصر، عندما تهدأ الأمور يعودان بالسلامة. وفي صيدا بعد عام من رحيلنا كانت تلح على عمي أن،يسافر إلى مصر ليعلمهما أنا نعيش في صيدا. تقول: مساكين، لابد أن القلق أكل قلبيهما علينا، ونحن نعيش هنا في أمان".
6. فلسطين من قضية محلية إلى وعي عربي إنساني شامل
تتجاوز الرواية البعد المحلي لتجعل القضية الفلسطينية قضية إنسانية ذات أبعاد عربية وعالمية، ويربط السرد تجربة الفلسطيني بتجارب الظلم التاريخي، مما يوسع فضاءات الوعي، كما تتحول فلسطين إلى رمز للعدالة والحرية ومقاومة الاحتلال، وليس مجرد قضية سياسية محلية. تقول: "عدنا إلى البيت، كانت أمي وأم وصال على علم بالأمر، كررنا عليهم بعض ما سمعناه:اليوم الفجر دخلت الجيوش العربية فلسطين. مصر عبرت من رفح والعوجا. سوريا دخلت من جنوب بحيرة طبريا، اللبنانيون عند رأس الناقورة،جيش الأردن عبر من جسر الشيخ حسين وجسر دامية، الجيش العراقي وصل لجسر المجامع...".
7. اللغة السردية أداة لإعادة تشكيل الوعي
تعتمد الرواية على لغة تجمع بين التوثيق والبعد الوجداني، فتصبح أداة لإعادة إنتاج التجربة الفلسطينية، ويمنح تنوع مستويات الخطاب السردي النص قدرة على تمثيل الذاكرة الجمعية متعددة الأصوات، مما يجعل الرواية فضاءً مفتوحًا لإعادة بناء الوعي الفلسطيني في مواجهة السرديات المضادة. "لم يكن عمي أبو الأمين حاضرا حين احتلوا البلدة ولكنه كان أول من عاد إليها من العائلة، يقول: عدت إلى الطنطورة، هنا تبتديء الحكاية هنا أيضا تنتهي، لم ينقل عمي شيئا مما رآه في قريتنا عندما عاد تسللا بعد شهرين. هل عاد إليها مرة واحدة لم يطق تكرارها أم أنها كانت بداية لزيارات لاحقة، أقرب لحج دوري وإن كان حجا عجيبا يتم خلسة ويبقى طي الكتمان".
مقارنة بين الروايتين:
1. فلسطين والذاكرة: في "باب الشمس", تُقدَّم فلسطين كذاكرة سردية مفتوحة تتشكل من خلال الحكايات المتعددة لشخصيات اللاجئين، حيث يصبح السرد وسيلة لمقاومة النسيان وحفظ الهوية. بالمقابل، في "الطنطورية", تتحول فلسطين إلى مشروع لتحرير الوعي، إذ يركّز السرد على إعادة بناء وعي فلسطيني متجدد في مواجهة محاولات الطمس، مع توظيف المرأة كحاملة للذاكرة الجماعية.
2. النكبة والزمن: تعالج الروايتان النكبة الفلسطينية، لكن من زوايا مختلفة. في "باب الشمس", تُعرض النكبة كزمن ممتد تتكرر آثاره عبر الأجيال. بينما في "الطنطورية", تظهر النكبة كحدث مؤسس لتشظي الوعي الفلسطيني، ما يخلق ازدواجية الشعور بين الانتماء للماضي والرغبة في التكيف مع الحاضر.
3. المخيم كفضاء للهوية: يلعب المخيم دورًا محوريًا في تشكيل الهوية في كلا الروايتين. ففي "باب الشمس", يُقدَّم المخيم كمساحة لإعادة إنتاج الذات في المنفى و"وطن مؤقت دائم. بينما في "الطنطورية", يُنظر إليه كفضاء معرفيٍّ لإعادة إنتاج الوعي المقاوم، حيث تتحول سرديات الحياة اليومية إلى أدوات لصون الهوية والذاكرة.
4. الحب والعلاقات الإنسانية: في "باب الشمس",تمثل العلاقات العاطفية، مثل قصة يونس ونهيلة، أداة مقاومة للنسيان. بينما في "الطنطورية", تبرز المرأة الفلسطينية كعنصر مركزي في نقل التاريخ والوعي، من خلال الدور العائلي والحفاظ على التراث الرمزي للقرية والهوية.
5. البعد الإنساني والكوني لفلسطين: تتجاوز الروايتان البعد المحلي لتجعل فلسطين رمزًا عالميًا للمعاناة والمقاومة. "باب الشمس" تركز على تجربة اللاجيء الفلسطيني كنموذج إنساني، حيث يلعب الحب دورا قويا في مقاومة الإنسان لواقعه والاستمرار في خلق حياة جديدة، وأحيانا هدمها بينما "الطنطورية" توسع هذا البعد إلى وعي عربي وإنساني شامل، يربط القضية الفلسطينية بتجارب الظلم والاحتلال الأخرى.
6. البنية السردية واللغة: تعتمد الروايتان على تقنيات غير خطية وكسر الزمن التقليدي، لكن "الطنطورية" تبرز أكثر في استخدام تيار الوعي والمذكرات والسرد متعدد الأصوات لإعادة إنتاج تجربة الفلسطيني في المنفى. و"باب الشمس" تعتمد السرد الشفوي والحكايات المتداخلة لإحياء الذاكرة الجماعية، ما يجعل كلا النصين فضاءً مفتوحًا لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني من منظور الضحية.
نتائج البحث:
تتمثل أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة في الآتي:
1- كلا الروايتين تقدمان فلسطين كفضاء للذاكرة والهوية الوطنية. في "باب الشمس" تمثل فلسطين ذاكرة سردية مفتوحة تتشكل عبر الحكايات المتعددة للشخصيات الفلسطينية، بينما في "الطنطورية" تتحول فلسطين إلى مشروع لتحرير الوعي الفلسطيني ومقاومة محاولات الطمس التاريخي، مع إبراز دور المرأة في نقل الوعي الجماعي عبر الأجيال.
2- النكبة في الروايتين ليست حدثًا منفصلًا بل زمن ممتد تتكرر آثاره عبر الأجيال. "باب الشمس" تصور النكبة كحالة مستمرة تتداخل فيها الأزمنة بين الماضي والحاضر، أما "الطنطورية" فتركز على تشظي الوعي الفلسطيني الناتج عن النكبة، مع ازدواجية الشعور بين الانتماء للماضي والرغبة في التكيف مع الواقع.
3- المخيم في الروايتين يمثل فضاءً لإعادة إنتاج الهوية الفلسطينية. ففي "باب الشمس" يظهر المخيم كمساحة للوجود الفلسطيني المؤقت والدائم، بينما في "الطنطورية" يتحول إلى فضاء معرفيًا يعيد تشكيل الوعي المقاوم، حيث تتحول المعاناة اليومية إلى أدوات للحفاظ على الهوية والذاكرة.
4- الحب والعلاقات الإنسانية في الروايتين يلعبان دورًا في صون الهوية ومقاومة النسيان. في "باب الشمس" يمثل الحب والحكاية فعل مقاومة فردي، بينما في "الطنطورية" تبرز المرأة الفلسطينية كحاملة للذاكرة والتاريخ، ما يوسع مفهوم المقاومة ليشمل المجتمع والأجيال.
5- الروايتان تتجاوزان البعد المحلي لتقديم فلسطين رمزًا عالميًا للعدالة والمقاومة. "باب الشمس" تركز على تجربة اللاجيء الفلسطيني كنموذج إنساني، بينما "الطنطورية" تربط القضية الفلسطينية بتجارب الظلم والاحتلال الأخرى، لتصبح قضية عربية وإنسانية شاملة.
6- تقنيات السرد غير الخطي والحكايات متعددة الأصوات تعزز قدرة الروايتين على تمثيل الذاكرة الفلسطينية. "باب الشمس" تعتمد السرد الشفوي لإعادة كتابة التاريخ، بينما "الطنطورية" توظف تيار الوعي والمذكرات لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني، ما يجعل السرد نفسه أداة مقاومة ثقافية وفكرية.
التوصيات:
بناء على نتائج البحث توصي الباحثة بالآتي:
1. التوسع في دراسة الرواية الفلسطينية من منظور مقارن مع آداب المقاومة العالمية لتعميق الفهم النقدي.
2. دراسة دور الرواية العربية في حفظ الذاكرة الثقافية والتاريخ غير الرسمي للشعوب.
3. الاهتمام بالتحليل السردي للأعمال الفلسطينية الحديثة التي تعتمد على الرمزية والتجريب.
4. دعم الأبحاث حول تلقي الرواية الفلسطينية في السياقات الغربية لفهم الترجمة والتأويل الثقافي.
5. دراسة التحولات الجيلية في الرواية الفلسطينية كمرآة للتحولات التاريخية للقضية الفلسطينية.
6. تسليط الضوء على دور المرأة الفلسطينية في نقل الوعي التاريخي والحفاظ على الهوية.
7. توظيف الرواية الفلسطينية في التعليم والثقافة العامة لتعزيز الوعي بالقضية الفلسطينية وأبعادها الإنسانية.
قائمة المراجع:
أولاً: المراجع العربية
1. إلياس خوري، باب الشمس، دار الآداب، بيروت، 1998.
2. جابر عصفور، زمن الرواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2009.
3. حسن أبو شقرا، الرواية العربية وقضايا الهوية والذاكرة، دار الفارابي، بيروت، 2016.
4. حسن بركات، السرد العربي وتحولات الخطاب الروائي، دار الفارابي، بيروت، 2017.
5. رشيد حميد، الرواية العربية وقضايا الهوية، دار مجدلاوي، عمّان، 2011.
6. رضوى عاشور،، الطنطورية، دار الشروق، القاهرة، 2010.
7. زين العابدين محمود العواودة، "رضوى عاشور الروائية في سرديتها الطنطورية: ذاكرة اللجوء في المخيال الجمعي الفلسطيني"، مجلة مقاليد، العدد 6، 2014، ص 89.
8. عبد الله الهاشمي،، تحولات الرواية العربية المعاصرة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2014.
9. غسان كنفاني، رجال في الشمس، دار العودة، بيروت، 1963.
10. فيصل دراج، الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2010.
11. فيصل دراج، نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2002.
12. نبيل خليفة، الرواية العربية المعاصرة وتحولات الخطاب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2018.
ثانياً: المراجع الأجنبية
1. Allen, Roger, "The Arabic Novel: An Historical and Critical Introduction", Syracuse University Press, 2000.
2. Critchley, Simon, "On Humour and Resistance in Literature", 2004.
3. Eagleton, Terry, "The Event of Literature", Yale University Press, 2008.
4. Ghazoul, Ferial J., "Nocturnal Poetics: The Arabic Poetic Tradition", 2008.
5. Moretti, Franco, "Graphs, Maps, Trees: Abstract Models for a Literary History", Verso, 2005.
6. Ricoeur, Paul, "Memory, History, Forgetting", University of Chicago Press, 2006.
7. Said, Edward, "Culture and Imperialism", Vintage Books, 1994.
8. Said, Edward, "Reflections on Exile and Other Literary and Cultural Essays", Harvard University Press، 2000.
