تفكيك الأمة من الداخل: صناعة العدو الوهمي بين العرب
لا تُهزم الأمم دائمًا بقوة السلاح، ولا تسقط الدول بالاحتلال وحده، وإنما قد يبدأ انهيارها الحقيقي حين تفقد القدرة على التمييز بين عدوها الحقيقي وخصمها المصنوع، وحين تنشغل شعوبها بالصراعات الداخلية، وتتحول الخلافات السياسية والفكرية والمذهبية إلى حواجز نفسية واجتماعية تمنعها من إدراك مصالحها المشتركة. فهناك معارك لا تُخاض على الحدود، بل تُدار داخل العقول، وهناك حروب لا تستهدف الأرض وحدها، وإنما تسعى إلى تفكيك الوعي الجمعي، وإضعاف الثقة بين أبناء الأمة الواحدة.
ومن أخطر الظواهر التي تواجه المجتمعات العربية ظاهرة صناعة العدو الوهمي، أي تحويل الاختلاف الطبيعي بين الدول والشعوب والتيارات إلى حالة من العداء الدائم، وإقناع كل طرف بأن الطرف الآخر يمثل الخطر الأكبر على وجوده ومستقبله، حتى يصبح الشقيق موضع شك، والجار مصدر تهديد، والخلاف السياسي مبررًا للكراهية، والاختلاف الفكري سببًا للإقصاء والتخوين.
ولا يعني ذلك أن جميع الخلافات العربية مفتعلة، أو أن التنافس الإقليمي لا يستند أحيانًا إلى مصالح حقيقية ومتعارضة، وإنما تكمن المشكلة في استغلال هذه الخلافات وتضخيمها، وتحويلها من اختلافات يمكن إدارتها بالحوار والدبلوماسية إلى صراعات مفتوحة تستنزف الموارد، وتبدد الطاقات، وتمنح القوى الخارجية فرصًا أوسع للتأثير في مستقبل المنطقة.
إن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الأمة العربية على نفسها ليس فقط: من يختلف معنا؟ بل أيضًا: من يستفيد من تحويل هذا الاختلاف إلى عداوة مستمرة؟ ومن المستفيد من انشغال العرب ببعضهم بعضًا، بينما تتراكم التحديات الاقتصادية والعلمية والأمنية، وتتراجع قدرتهم على التأثير في محيطهم الإقليمي والدولي؟
أولًا: مفهوم صناعة العدو الوهمي
صناعة العدو الوهمي ليست مجرد اختلاق خصم لا وجود له، بل هي عملية سياسية وإعلامية ونفسية معقدة، تقوم على تقديم طرف معين باعتباره مصدرًا شاملًا للخطر، وتضخيم أخطائه، وتجاهل ظروفه ودوافعه، وإعادة تفسير كل تصرفاته باعتبارها دليلًا على سوء النية أو الرغبة في الإضرار بالآخرين.
وقد يكون هذا العدو دولة عربية، أو جماعة سياسية، أو تيارًا فكريًا، أو طائفة دينية، أو فئة اجتماعية. وفي بعض الحالات، تكون هناك خلافات حقيقية بالفعل، لكن يجري توظيفها بطريقة تجعل التسوية مستحيلة، والتفاهم خيانة، والاعتراف بالمصالح المشتركة ضعفًا، والحديث عن الحوار تنازلًا غير مقبول.
وتعتمد هذه العملية على اختزال الواقع المعقد في صورة مبسطة تقوم على ثنائية حادة: نحن أصحاب الحق المطلق، والآخرون مصدر الشر المطلق. وعندما يترسخ هذا التصور، يفقد المجتمع قدرته على التفكير النقدي، ويصبح أكثر استعدادًا لتصديق الشائعات، وتبرير الأخطاء التي يرتكبها فريقه، ورفض الحقائق التي تصدر عن الطرف الآخر، مهما كانت واضحة. وهكذا يتحول العدو الوهمي إلى أداة لتوجيه الرأي العام، وإعادة ترتيب الأولويات، وصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية، وربما تبرير إخفاقات سياسية أو اقتصادية لا علاقة لها بالخصم المعلن.
ثانيًا: كيف يبدأ تفكيك الأمة من الداخل؟
لا يحدث التفكيك الداخلي بصورة مفاجئة، بل يتطور عادة عبر مراحل متتابعة، تبدأ بإضعاف الثقة، ثم نشر الشك، ثم تعميق الانقسامات، وصولًا إلى تحويل الاختلاف إلى صراع على الهوية والوجود.
1- تضخيم الخلافات وتجاهل المشتركات
تمتلك المجتمعات العربية رصيدًا واسعًا من الروابط التاريخية والثقافية واللغوية، إلى جانب مصالح اقتصادية وأمنية وجغرافية متشابكة. ومع ذلك، قد تتقدم الخلافات السياسية المؤقتة إلى مقدمة المشهد، بينما تتراجع المصالح المشتركة إلى الخلفية.
ويحدث ذلك عندما تتحول كل أزمة ثنائية بين دولتين إلى دليل على استحالة التعاون العربي، أو عندما يجري تعميم موقف حكومة أو مسؤول على شعب بأكمله، أو عندما تُستخدم واقعة فردية لتغذية صورة سلبية عن مجتمع كامل.
إن تضخيم الخلاف لا يحله، بل يجعله أكثر تعقيدًا، لأن الأطراف تصبح أسيرة خطاب تعبوي يصعب عليها التراجع عنه دون أن تواجه اتهامات داخلية بالتفريط أو الضعف.
2- تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع هوياتي
الاختلاف السياسي أمر طبيعي في المجتمعات، بل إنه قد يكون مصدرًا للتطور إذا جرى تنظيمه في إطار القانون والحوار والتنافس السلمي. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الخلاف حول السياسات إلى اتهام في الوطنية أو الدين أو الانتماء.
فعندما يُصنَّف المختلف باعتباره خائنًا أو عدوًا أو خطرًا على المجتمع لمجرد اختلافه في الرأي، تضيق مساحة الحوار، وتتراجع فرص التوافق، وتصبح السياسة ساحة لتصفية الحسابات بدلًا من أن تكون وسيلة لإدارة المصالح العامة.
وتزداد خطورة هذا المسار حين ينتقل من النخب السياسية والإعلامية إلى العلاقات الاجتماعية، فينعكس على الصداقات والأسر ومؤسسات التعليم والعمل، ويصبح الانقسام جزءًا من الحياة اليومية.
3- استغلال الانقسامات المذهبية والطائفية
تُعد الانقسامات المذهبية والطائفية من أكثر الأدوات قدرة على إضعاف المجتمعات، لأنها تمس مشاعر الانتماء والهوية، وتستدعي رواسب تاريخية قابلة للتوظيف السياسي.
وقد شهدت المنطقة العربية نماذج عديدة للصراعات التي تداخلت فيها العوامل المذهبية مع المصالح السياسية والتنافس الإقليمي والتدخلات الخارجية. ولا يصح تفسير هذه الصراعات بعامل واحد، لكن من الواضح أن تحويل الانتماء الديني أو المذهبي إلى معيار للحكم على وطنية الإنسان أو حقوقه يفتح الباب أمام التمييز والعنف ويهدد استقرار الدولة الوطنية.
إن حماية التنوع الديني والمذهبي لا تتحقق بإنكار الاختلاف، وإنما بضمان المواطنة المتساوية، واحترام القانون، ومنع التحريض، وعدم السماح لأي جهة باستغلال المقدسات لتبرير الكراهية أو الهيمنة.
4- تحويل الأزمات الداخلية إلى اتهامات خارجية
قد تلجأ بعض القوى إلى تحميل أطراف خارجية المسؤولية عن جميع المشكلات الداخلية، بدلًا من إجراء مراجعة موضوعية لأسباب الفشل والخلل.
ومن الطبيعي أن تتعرض الدول لضغوط خارجية، وأن تواجه محاولات للتأثير في قراراتها، لكن التعامل الجاد مع هذه التحديات يتطلب التمييز بين التدخل الخارجي الحقيقي وبين استخدامه تفسيرًا جاهزًا لكل أزمة.
فالدولة القوية ليست تلك التي تنكر وجود خصوم، وإنما التي تمتلك مؤسسات فعالة، واقتصادًا قادرًا على الصمود، ومجتمعًا متماسكًا، وإعلامًا مهنيًا، ونظامًا للمساءلة يسمح بتصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات مزمنة.
