تحولات البنية السردية بين المعايشة والذاكرة والتخييل
تمثيل فلسطين في الرواية العربية المعاصرة:
المقدمة:
لم تعد القضية الفلسطينية في الوعي العربي الحديث مجرّد موضوع سياسي أو حدث تاريخي يُستعاد في الخطاب، بل أصبحت إحدى أكثر البؤر كثافة في التخييل الأدبي، إذ تتقاطع فيها أسئلة الذاكرة والهوية والمنفى ضمن بنى سردية تعيد تشكيل التجربة وتمنحها أبعادًا دلالية متجددة. وقد شكّلت الرواية العربية، باعتبارها فضاءً قادرًا على استيعاب التعقيد التاريخي والوجداني، المجال الأبرز الذي أُعيدت من خلاله صياغة هذه التجربة، لا كواقعة مكتملة، بل كتجربة مفتوحة على إعادة البناء والتأويل.
إلّا أنّ تمثيل فلسطين في الرواية العربية خضع لتحولات عميقة ارتبطت، من جهة، بتغير السياقات التاريخية، ومن جهة أخرى، باختلاف موقع الكاتب من التجربة ذاتها. فبين كتابة تنبثق من معايشة مباشرة للحدث، وأخرى تقوم على الذاكرة المنقولة أو التخييل، تتباين طرائق بناء السرد، وتتغير وظائف الزمن وزاوية الرؤية وآليات توزيع المعرفة داخل النص.
وانطلاقًا من ذلك، تنشغل هذه الدراسة بتتبع أثر ما يمكن تسميته بـ "الموقع التجريبي للكاتب" في تشكيل تمثلات فلسطين داخل الرواية العربية، من خلال مقاربة تطبيقية تقوم على التحليل المقارن لثلاثة نماذج روائية تمثل درجات مختلفة من القرب من التجربة.
التأصيل المفاهيمي
لا يلتزم النصّ الروائي بنقل الحدث كما وقع، إذ تتجاوز وظيفته حدود التمثيل المباشر إلى إعادة تشكيل التجربة ضمن بنية تخييلية تتداخل فيها الذاكرة مع اللغة وزاوية الرؤية. وبذا، لا تُفهم فلسطين في الرواية العربية باعتبارها معطًى تاريخيًا جاهزًا، بل باعتبارها بناءً سرديًا يتشكّل داخل النص وفق شروط جمالية ومعرفية محددة.
وانطلاقًا من هذا التمييز، لا تنحصر دراسة تمثيل فلسطين في تتبّع حضورها كموضوع، بل تمتد إلى تحليل الكيفية التي يُعاد بها بناؤها داخل الخطاب الروائي، أي إلى تفكيك آليات التمثيل السردي ذاتها.
وفي هذا السياق، يُطرح مفهوم "الموقع التجريبي للكاتب" بوصفه أداة إجرائية لفهم اختلاف أنماط التمثيل، حيث لا يشير إلى انتماء جغرافي مباشر، بقدر ما يدلّ على طبيعة العلاقة الإدراكية بين الكاتب والتجربة التي يكتب عنها. فهذه العلاقة لا تأخذ شكلًا واحدًا، بل تتدرّج بين معايشة مباشرة للحدث، ووساطة حكائية تقوم على الذاكرة المنقولة، وصولًا إلى تمثيل تخييلي ينبني على وجود مسافة من التجربة.
ويترتب على هذا التدرّج اختلاف في البنية السردية للنص، إذ يتأثر تنظيم الزمن، وتتشكل زاوية الرؤية، وتتحدد آليات توزيع المعرفة تبعًا لدرجة القرب من الحدث. ويمكن مقاربة هذا الأثر في ضوء ما يطرحه جيرار جنيت حول العلاقة بين زمن الحكاية وزمن الخطاب، وما يتصل بها من مفاهيم الترتيب والمدة والتكرار، بوصفها عناصر تسهم في تحديد المسافة بين السارد والتجربة.
كما يتقاطع ذلك مع تصوّر سعيد يقطين الذي ينظر إلى موقع السارد على أنّه عنصرٌ فاعلٌ في إنتاج المعنى، من خلال علاقته بزاوية الرؤية وبطريقة تقديم العالم الروائي، بما يجعل السرد نفسه أداة لإعادة بناء التجربة لا مجرد وسيلة لنقلها.
وهكذا، لا يُفصل التمثيل عن الموقع التجريبي، إذ يُعدّ نتاجًا له، حيث إن الكيفية التي تُبنى بها فلسطين داخل النص تتحدد بدرجة القرب أو البعد من التجربة، وما يرافق ذلك من اختلاف في طبيعة السرد ولغته وبنيته.
وعليه، يتيح هذا الإطار المفاهيمي الانتقال من مستوى التعريف إلى مستوى التحليل، من خلال رصد أثر الموقع التجريبي في تشكيل البنية السردية، بوصفه عاملًا كامنًا يوجّه طرائق تمثيل التجربة داخل الرواية العربية.
فرضية الدراسة
تأتي هذه الدراسة لتطرح فرضية مفادها أن تمثيل فلسطين في الرواية العربية يتشكّل ضمن بناءٍ سرديٍّ مرتبطٍ بموقع الكاتب من التجربة، بحيث ينعكس التدرج في هذا الموقع، من المعايشة المباشرة إلى التماسّ الوجداني، على البنية السردية للنص. ويتمثل هذا الأثر في كيفية تنظيم الزمن السردي، وتشكيل زاوية الرؤية، وتوزيع المعرفة داخل الخطاب الروائي، بما يفضي إلى أنماط متمايزة من التمثيل قابلة للرصد والتحليل.
منهجية الدراسة
تعتمد هذه الدراسة على مقاربة تطبيقية تقوم على التحليل المقارن، بهدف الكشف عن أثر اختلاف الموقع التجريبي للكاتب في تشكيل البنية السردية للرواية التي تمثل فلسطين.
وتنطلق من قراءة داخلية للنصوص الروائية، تستند إلى أدوات السرديات في تحليل تنظيم الزمن، وزاوية الرؤية، وتوزيع المعرفة، باعتبارها مؤشرات إجرائية على طبيعة العلاقة بين السارد والتجربة. وتُفهم هذه الأدوات في ضوء ما طرحه جيرار جنيت في تحليل بنية الخطاب السردي، وما قدّمه سعيد يقطين من ربط بين موقع السارد وإنتاج المعنى داخل النص.
وتطبَّق هذه المقاربة على ثلاث روايات تمثل درجات متفاوتة من القرب من التجربة الفلسطينية، هي: عائد إلى حيفا، وباب الشمس، والطنطورية، بما يتيح تتبّع تحولات تمثيل فلسطين داخل أنماط سردية متباينة.
وتسعى الدراسة، إلى إجراء مقارنة بنيوية بين النصوص الثلاثة، تكشف عن أوجه الاختلاف في تنظيم السرد، وتبيّن علاقة ذلك بالموقع التجريبي الذي تنطلق منه الكتابة.
الإطار التطبيقي
المحور الأول: الزمن السردي
لا يتخذ الزمن السردي في الروايات الثلاث شكلًا خطيًّا متتابعًا، ولكن يقوم على تداخل الماضي والحاضر عبر آلية الاسترجاع، إلّا أن هذا التشابه الشكلي يخفي اختلافًا جوهريًا في وظيفة الزمن وبنيته، يرتبط بطبيعة الموقع التجريبي الذي تنطلق منه الكتابة.
ففي عائد إلى حيفا لـ غسان كنفاني، يتكثّف الزمن حول حدث مركزي هو لحظة الفقد المرتبطة بالنكبة، حيث يُعاد استحضار الماضي باعتباره امتدادًا ضاغطًا داخل الحاضر. ويتجلّى ذلك في هيمنة الاسترجاع بوصفه آلية بنيوية تعيد ترتيب الخطاب السردي، بحيث يصبح الماضي هو مركز الثقل الدلالي. ويمكن فهم هذا البناء في ضوء ما يطرحه جيرار جنيت حول مفارقة العلاقة بين زمن الحكاية وزمن الخطاب، حيث لا يُعاد ترتيب الأحداث وفق تسلسلها، بل وفق دلالتها داخل السرد.
وعلى هذا النحو، لا يُستدعى الزمن لتوسيع الحكاية، وإنّما لتكثيفها حول بؤرة واحدة، وهو ما يجعل السرد مشدودًا إلى سؤال وجودي يتجاوز الحدث نفسه، كما في قول خلدون: "عشرون سنة؛ ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك؟ … الدموع لا تسترد المفقودين"، حيث يتحول الزمن إلى أداة للمساءلة، وليس إطارًا للعرض. ويتعزّز هذا التصور عبر توتر العلاقة بين الماضي والمستقبل، كما في قول سعيد: "لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط، أمّا خالد فالوطن عنده هو المستقبل"، بما يكشف أن الزمن هنا يحمل وظيفة ضغط دلالي يدفع نحو الفعل، لا مجرد الاستذكار.
أما في باب الشمس لـ إلياس خوري، فإن الزمن، رغم اعتماده على الاسترجاع أيضًا، يفقد هذا التمركز حول حدث واحد، ويتحوّل إلى بنية متشظية تتوزع على حكايات متعددة. فالسرد لا يعيد إنتاج لحظة بعينها، بل يراكم سلسلة من القصص التي تُروى وتُعاد روايتها، بحيث يتشكّل الماضي عبر التكرار والتداخل. وهنا يصبح الزمن فضاءً مفتوحًا لإعادة بناء التجربة، لا أداة لتكثيفها. ويمكن ربط ذلك بمفهوم التكرار عند جينيت، حيث لا يؤدي التكرار إلى تثبيت الحدث، بل إلى إعادة إنتاجه سرديًا بصيغ مختلفة . ويرتبط هذا التعدد بطبيعة الموقع التجريبي الوسيط، إذ لا تُستعاد فلسطين من ذاكرة واحدة، بل من ذاكرات منقولة تتقاطع فيها الخبرة مع التخييل، وهو ما يجعل الزمن نتاجًا لهذا التعدد، وليس إطارًا ثابتًا له. فيتحول السرد إلى عملية بناء تدريجي لذاكرة جماعية، تتشكل عبر الحكي لا عبر الاستعادة المباشرة.
في حين يتخذ الزمن السردي في الطنطورية لـ رضوى عاشور مسارًا مختلفًا، إذ لا يقوم على التكثيف كما عند كنفاني، ولا على التشظي كما عند خوري، بل على الامتداد داخل حكاية واحدة. فالتجربة تُستعاد عبر وعي سردي فردي يتابع تحوّله عبر الزمن، بحيث يغدو الماضي جزءًا من نسيج الحياة اليومية، لا لحظة منفصلة عنها.
ويظهر ذلك في طبيعة الاسترجاع الذي يأتي منسابًا داخل الوعي دون انقطاعات حادة، بما يجعل الزمن أقرب إلى تيار ممتد من الخبرة. ويمكن فهم هذا البناء في ضوء ما يطرحه بول ريكور حول الزمن السردي على أنه إعادة تنظيم للتجربة داخل بنية حكائية تُكسبها معنى.
ويرتبط هذا الامتداد بطبيعة الموقع التجريبي الأبعد عن المعايشة، فالتجربة لا تستعاد كصدمة، ولا يُعاد بناؤها عبر تعدد الحكايات، لكنها تُصاغ داخل سردية متخيلة ممتدة، تعيد تركيب الخبرة في صورة حياة كاملة، بما يجعل الزمن أداة لاحتواء التجربة واستيعابها، لا لمساءلتها أو تفكيكها.
وبناءً على ذلك، يتضح أن الزمن السردي، بالرغم من تشابهه الشكلي في الروايات الثلاث، يكشف عن اختلاف عميق في تمثيل فلسطين، يتصل بدرجة القرب من التجربة: فالمعايشة المباشرة تُنتج زمنًا مكثّفًا مشدودًا إلى لحظة مواجهة، بينما تُنتج الذاكرة المنقولة زمنًا متشظيًا قائمًا على التعدد، في حين يفضي التخييل إلى زمن ممتد يعيد بناء التجربة داخل مسار إنساني متصل.
المحور الثاني: زاوية الرؤية
تكشف زاوية الرؤية في الروايات الثلاث عن اختلاف جوهري في تمثيل فلسطين، إلّا انّ الأمر لا يتعلّق بما يروى، بل بالكيفية التي يُدرَك بها الحدث ويُقدَّم داخل السرد، وهو اختلاف يرتبط مباشرة بدرجة القرب من التجربة، ويُترجم سرديًا في طبيعة الوصف، وحدّة اللغة، وفي كيفية تموضع السارد داخل العالم الروائي.
في عائد إلى حيفا تتحدد زاوية الرؤية من خلال منظور داخلي مشدود إلى تجربة معيشة، وهو ما يمكن فهمه في ضوء ما يطرحه جيرار جنيت حول التبئير الداخلي، حيث يُقدَّم العالم الروائي من داخل وعي الشخصية، بما يحدد طبيعة إدراكه وتمثيله، بحيث يُقدَّم المكان على أنّهُ فضاءٌ مُدرَكٌ من الداخل، تحكمه ذاكرة حيّة وعلاقة مباشرة بالتجربة.
ويترتب على هذا القرب نمط خاص من الوصف يقوم على الدقة والاقتصاد، حيث لا تُستحضر التفاصيل لغايات جمالية، بل تستحضَر كإشارات دالّة تستدعي المكان في لحظة واحدة مكثفة، فالسرد لا ينشغل بإعادة بناء المشهد في امتداده الحسي، بل بتحديده وتسميته، كما يظهر في الإحالة إلى المدارس والشوارع والمعالم، بما يحوّل الوصف إلى فعل إدراكي يعيد تنظيم المكان داخل الوعي. وهذا النمط لا ينفصل عن البعد النفسي للتجربة، إذ تميل الذاكرة المرتبطة بالصدمة، كما تشير بعض الدراسات النفسية، إلى استعادة العناصر الأكثر دلالة وتأثيرًا، وليس التفاصيل المحايدة، وهو ما يفسر حدّة اللغة وكثافتها، وانصرافها عن الزخرف الوصفي. وعليه، تغدو زاوية الرؤية هنا أثرًا مباشرًا للمعايشة، حيث يتجسد المكان باعتباره موقع فقد، وليس موضوع تأمل.
أمّا في باب الشمس لـ إلياس خوري، فإن زاوية الرؤية لا تستقر في منظور داخلي واحد، حيث تتوزع عبر بنية سردية وسيطة تتعدد فيها الأصوات، ويتقدّمها صوت خليل الراوي الجامع الذي يعيد تركيب الحكايات. وبهذا المعنى، لا تُقدَّم فلسطين كتجربة مُدرَكة من الداخل مباشرة، بل بوصفها بناءً حكائيًا يتكوّن من تداخل روايات جزئية، تتقاطع فيها الذاكرة مع التخييل.
يرتبط هذا البناء بما يطرحه عبد الملك مرتاض عن أن الخطاب الروائي لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله من خلال وعي سردي تتوزع فيه الرؤية بين الذوات . وهنا، لا تكون زاوية الرؤية أداة لنقل الحدث، لكنّها فضاءٌ لإعادة تفسيره، حيث تتعدد وجهات النظر، وتتباين مستويات الإدراك، بما يمنح السرد طابعًا تأمليًا وتحليليًا.
إلّا أن الملفت في رواية باب الشمس أنّها تكشف عن تحوّل صريح في زاوية الرؤية كلما اقترب السرد من فضاء المخيمات في لبنان، إذ يخفّ الطابع الوسيط، وتصبح الرؤية أكثر مباشرة واحتكاكًا بالتجربة. في هذه اللحظات، تتغير اللغة نفسها، فتفقد مسافتها التأملية، وتميل إلى حدّة التعبير، بل إلى الانفلات أحيانًا، كما في المقاطع التي تنقل واقع المخيم ومجازره، فيبدو السرد أقرب إلى نقل تجربة معاشة لا إلى إعادة بنائها.
ومن هنا، يكشف هذا التحول أن زاوية الرؤية داخل النص ليست ثابتة، وأنّها تتحرك تبعًا لدرجة القرب من الحدث، وهو ما يعزز فرضية الدراسة، إذ يظهر داخل الرواية الواحدة تباين واضح بين تمثيل فلسطين كذاكرة منقولة، وتمثيل الواقع كتجربة معيشة.
في حين تتحدد زاوية الرؤية في الطنطورية لـ رضوى عاشور من خلال منظور داخلي ثابت يقوم على صوت الشخصية الرئيسة، غير أن هذا المنظور، بالرغم من تشابهه الشكلي مع عائد إلى حيفا، يختلف من حيث طبيعته ووظيفته، فهو لا يصدر عن احتكاك مباشر بالحدث، ولا يحمل حدّة المواجهة، لكنّه يتجه إلى استبطان التجربة وإعادة تنظيمها داخل وعي سردي متماسك.
يرتبط اختلاف زاوية الرؤية بطبيعة العلاقة مع التجربة ذاتها، إذ هل تستعاد التجربة كأثرٍ حيّ، أم كخبرة خضعت لإعادة الفهم والتأويل؟ ويمكن فهم هذا الفرق في ظلّ تمييز بول ريكور بين الذاكرة باعتبارها أثرًا معيشًا، والذاكرة باعتبارها بناءً سرديًا يعيد تنظيم التجربة داخل أفق تأويلي ، وكذلك ما يشير إليه دومينيك لاكابرا من أنّ ثمّة فرقًا بين إعادة معايشة الحدث والانخراط في معالجته ، حيث تنزع الأولى إلى الحفاظ على حدّته، في حين تتيح الثانية مسافة تسمح بإعادة فهمه.
وعلى هذا الأساس، لا يُفهم تمثيل فلسطين في الطنطورية على أنّه نتيجة لاختيار أسلوبي، بل أثرٌ مباشرٌ لطبيعة الموقع التجريبي الذي تُعاد من خلاله صياغة التجربة. وهكذا، تتحول فلسطين من واقعة تاريخية إلى تجربة إنسانية يُعاد تنظيمها داخل الوعي، عبر لغة تأملية وزاوية رؤية تستند إلى الفهم أكثر من استنادها إلى المواجهة. وبذلك، تكشف زاوية الرؤية عن أن اختلاف القرب من التجربة لا ينعكس في درجة الانفعال فقط، بل في الكيفية التي يُبنى بها التمثيل السردي نفسه.
وبذلك، تكشف المقارنة أن زاوية الرؤية تمثل أحد أبرز المؤشرات على أثر الموقع التجريبي في تشكيل التمثيل السردي؛ إذ تقترن المعايشة المباشرة برؤية داخلية حادة ومكثفة، بينما تفضي الذاكرة المنقولة إلى رؤية متعددة الأصوات تقوم على التحليل والتفسير، في حين ينتج عن التخييل رؤية داخلية تأملية تعيد بناء التجربة ضمن أفق إنساني ممتد. ومن هنا، لا تتحدد زاوية الرؤية بكونها تقنية سردية فحسب، وإنّما باعتبارها أثرًا معرفيًا ونفسيًا لدرجة القرب من الحدث، ينعكس مباشرة على طبيعة اللغة ووظيفة السرد.
المحور الثالث: توزيع المعرفة داخل السرد
لا يتحدد البناء السردي في الرواية بما يُروى فقط، بل بما يُتاح من معرفة داخل النص أيضًا، وكيفية توزيع هذه المعرفة بين السارد والشخصيات، وهو ما يجعل توزيع المعرفة عنصرًا كاشفًا لطبيعة العلاقة بين السرد والتجربة. وفي هذا السياق، يتجلّى أثر الموقع التجريبي بوضوح في الكيفية التي تُبنى بها المعرفة داخل الروايات الثلاث، سواء من حيث انغلاقها أو انفتاحها، أو من حيث مصدرها ووظيفتها.
في عائد إلى حيفا لـ غسان كنفاني، تتسم المعرفة السردية بطابع محدود ومكثّف، إذ تُبنى من داخل وعي الشخصيات، دون أن يقدّم السرد معرفة كلية أو تفسيرًا خارجيًا للأحداث، فالقارئ لا يتلقى صورة مكتملة عن العالم، لكنّه يُدفع إلى إدراكه من خلال تجربة جزئية مشحونة بالانفعال. ويرتبط هذا التقييد بما يشير إليه سعيد يقطين من أن موقع السارد وزاوية الرؤية يحددان أفق المعرفة داخل النص ، بحيث لا تكون المعرفة معطًى جاهزًا، بل نتيجة لطبيعة التبئير وحدوده كما يتعزّز ذلك من خلال غياب الراوي العليم، إذ لا يحتكر السرد سلطة المعرفة، لكنّه يظل قريبًا من وعي الشخصيات، يتقاطع معها دون أن يتجاوزها، وهو ما يجعل المعرفة مرتبطة بالصدمة وليس بالتفسير. فالحقيقة لا تُقدَّم على أنّها يقينٌ مكتملٌ، بل تجربة تُعاش وتُساءل، كما يتجلى في الحوار بين سعيد وخلدون، حيث لا تُحسم الدلالة، بل تُفتح على مواجهة فكرية وأخلاقية.
وعلى هذا النحو، فإنّ توزيع المعرفة هنا منغلق نسبيًا، لكنه مكثّف، حيث لا يسعى السرد إلى التوسّع أو الإحاطة، بل إلى تركيز التجربة داخل وعي محدود ينتج دلالة حادّة.
أما في باب الشمس لـ إلياس خوري، فإن المعرفة تتخذ شكلًا مغايرًا يقوم على الاتساع والتراكم، حيث لا تصدر من مركز واحد، وإنّما تتوزع عبر شبكة من الحكايات والأصوات. فالسارد لا يقدّم معرفة مكتملة، لكنّه يشارك في بنائها من خلال نقل الروايات وإعادة ترتيبها، ما يجعل القارئ أمام معرفة متحركة تتشكل تدريجيًا عبر التداخل والتكرار. ويتقاطع هذا البناء مع تصوّر عبد الملك مرتاض من أن الخطاب الروائي يقوم على توزيع المعرفة بين الذوات الساردة ، بما يمنح النص طابعه المركّب. فالحقيقة هنا ليست واحدة، بل متعددة تتشكل من تفاعل الروايات وليس من سلطة سردية عليا. ويُسهم تكرار الحكايات بصيغ مختلفة في تعزيز هذا النمط، إذ يؤدي التكرار إلى توسيع المعرفة وإعادة تشكيلها، بحيث تظل مفتوحة على التأويل. وهكذا، لا يصل القارئ إلى يقين نهائي، بل إلى أفق دلالي يتكوّن عبر هذا التراكم الحكائي. ويرتبط هذا الاتساع بطبيعة الموقع التجريبي الوسيط، حيث تُبنى المعرفة من إعادة سردها وتأويلها، وليس من المعايشة المباشرة، وهو ما يجعل السرد نفسه أداة لإنتاالمعرفة، لا مجرد ناقل لها.
غير أنّ توزيع المعرفة في الطنطورية لـ رضوى عاشور يأخذ شكلًا ثالثًا، بحيث يقوم على الامتداد داخل وعي سردي واحد، دون تعدد في الأصوات أو تشظٍ في الحكايات، فالمعرفة لا تتوزع بين رواة متعددين، وإنّما تتشكل من داخل تجربة شخصية تتسع تدريجيًا لتحتوي العالم الروائي بأكمله. إلّا أن هذا الامتداد لا يعني بساطة البناء، لكنه يعكس آلية مختلفة في إنتاج المعرفة، تقوم على إعادة تركيب الخبرة داخل سردية متصلة. فالتجربة الفلسطينية لا تُقدَّم هنا كمعرفة جاهزة أو منقولة حرفيًا، بل تُعاد صياغتها تخييليًا داخل مسار حياتي متكامل تتداخل فيه الذاكرة والخيال لتشكّل معرفة سردية ذات طابع إنساني شامل. وعلى هذا النحو، لا تنبع المعرفة من التعدد كما في باب الشمس، ولا من التكثيف المرتبط بالصدمة كما في عائد إلى حيفا، بل من قدرة السرد على احتواء التجربة وإعادة بنائها داخل وعي واحد ممتد، وهو ما يمنح النص طابعًا تأمليًا، تتدرّج فيه المعرفة بدل أن تنفجر أو تتشظّى.
وبناءً على ذلك، تكشف المقارنة أن توزيع المعرفة داخل السرد يتشكل وفق علاقة مباشرة بالموقع التجريبي للكاتب، فالمعايشة المباشرة تُنتج معرفة محدودة لكنها مكثفة، ترتبط بوعي جزئي مشدود إلى لحظة صادمة، في حين تفضي الذاكرة المنقولة إلى معرفة متسعة ومتعددة، تتكوّن عبر التراكم الحكائي، بينما يقود التخييل إلى بناء معرفة ممتدة داخل وعي سردي واحد، تعيد تشكيل التجربة في صورة كلية متماسكة. ومن هنا، يصبح توزيع المعرفة أحد أبرز المؤشرات على تحوّل تمثيل فلسطين من تجربة معيشة إلى سردية مركّبة، ثم إلى بناء تخييلي يعيد إنتاجها داخل أفق إنساني أوسع.
الخاتمة المقارنة:
تمثيل فلسطين وتحولات الموقع التجريبي في الرواية العربية
تكشف المقارنة بين الروايات الثلاث أن تمثيل فلسطين في الرواية العربية لا يتحدد على أنّه استجابة مباشرة لحدث تاريخي، بل باعتباره نتاجًا لآلية إدراكية وسردية معقّدة، تتشكّل في ضوء موقع الكتابة من التجربة. فالنص الروائي لا يعيد إنتاج الواقع، بقدر ما يعيد تنظيمه داخل بنية دلالية تتداخل فيها الذاكرة مع التخييل، ويتحوّل فيها الحدث من واقعة تاريخية إلى بناء سردي قابل لإعادة التشكل.
وعليه، يمكن القول إن الاختلاف بين هذه النصوص لا يكمن في ما ترويه عن فلسطين، بل في الكيفية التي تُبنى بها هذه المعرفة سرديًا، وهو ما ينسجم مع ما يذهب إليه بول ريكور حين يربط بين السرد وإعادة تشكيل التجربة داخل أفق تأويلي ، بحيث لا تُستعاد الأحداث كما وقعت، بل كما يُعاد فهمها داخل بنية الحكي. ومن هذا المنظور، لا تعود فلسطين في هذه الروايات مرجعًا ثابتًا، بل تصبح أثرًا سرديًا يتغير تبعًا لطريقة تمثيله.
وإذا كانت الكتابة عند غسان كنفاني تنطلق من تماس مباشر مع الحدث، فإنّ هذا القرب لا ينتج مجرد صدق واقعي فقط، بل يفرض شكلًا خاصًا من السرد، يقوم على اختزال التجربة وتكثيفها، بحيث تُعاد صياغتها ضمن لحظة دلالية مشحونة. وهو ما يمكن ربطه بما تشير إليه دراسات الصدمة في علم النفس، حيث تميل التجارب الحادّة إلى الظهور في الوعي على شكل صور مركّزة ومكثفة ، تحتفظ بحدّتها ولا تنفتح بسهولة على السرد الممتد. ومن هنا، لا يكون التكثيف في هذا السياق خيارًا أسلوبيًا، بل أثرًا لطبيعة التجربة نفسها.
في المقابل، يكشف نص إلياس خوري أن غياب المعايشة المباشرة لا ينتج شكلًا واحدًا من التمثيل، بل يفضي إلى بنية مزدوجة يتداخل فيها مستويان من السرد، ففي المستوى الأول، المتعلّق بتمثيل فلسطين، تُبنى الحكاية عبر روايات متعدّدة ينقلها خليل عن الآخرين، فتصبح فلسطين نسيجًا من الذاكرات المنقولة، تتجاور فيها الأصوات وتُتاح عبرها إمكانيات التأويل وإعادة الربط بين الوقائع. وهنا يتجلى التمثيل باعتباره بناءً حكائيًا يقوم على التعدد والتراكم، وهو ما ينسجم مع ما يطرحه ميخائيل باختين حول تعددية الأصوات، حيث لا تتحدد الحقيقة من خلال صوت واحد، وإنّما من خلال أصوات متجاورة لا تنصهر في مركز واحد.
غير أن الرواية تنفتح في مستوى ثانٍ مغاير يتجلّى في تمثيل الواقع المعيش داخل المخيمات، حيث يقترب السرد من التجربة المباشرة، وتتراجع الوساطة الحكائية لصالح نقل أكثر حدّة واحتكاكًا بالواقع. في هذه المقاطع، لا تعود الحكاية مجالًا لإعادة البناء والتفسير، وإنّما تصبح أقرب إلى تسجيل تجربة معاشة تنعكس في لغة أكثر توترًا وانفعالًا.
وعلى هذا النحو، لا تقدّم الرواية نموذجًا واحدًا للتمثيل، بل تكشف داخل بنيتها عن انتقال بين مستويين: تمثيل يقوم على الذاكرة المنقولة والتعدد حين يتعلّق الأمر بفلسطين، وتمثيل يقترب من المعايشة المباشرة حين ينتقل السرد إلى فضاء المخيم. ومن هنا، فإنّ رواية باب الشمس تعتبر نصًا كاشفًا لفرضيّة الدراسة، إذ لا يكتفي بإبراز أثر الموقع التجريبي، وإنما يجسّده داخل بنيته السردية نفسها، من خلال هذا التباين بين مستويي التمثيل.
أما في تجربة رضوى عاشور، فإن البعد عن التجربة يؤدي إلى إعادة تركيبها داخل وعي سردي واحد، يقوم على تحويل المادة المنقولة إلى تجربة داخلية متماسكة. وهنا لا تُبنى المعرفة من الشهادة أو التراكم، بل من القدرة على استيعاب الخبرة وإعادة تنظيمها تخييليًا داخل مسار إنساني ممتد.
ويمكن فهم هذا التحول في ضوء ما يميّز بين الخبرة المعاشة والخبرة المتخيّلة في الكتابة السردية، حيث تميل الأولى إلى الحفاظ على حدّتها وكثافتها، في حين تتيح الثانية مسافة زمنية ونفسية تسمح بإعادة بناء التجربة ضمن سرديّة متصلة، تُعنى بالفهم أكثر من انشغالها بإعادة إنتاج الحدث.
وبناء عليه، فإنّ هذه الروايات لا تعكس اختلافًا في الموضوع، بل في أنماط إدراكه وتمثيله؛ فالتجربة حين تُعاش تُكتب بوصفها صدمة مكثفة، وحين تُنقل تُعاد عبر التعدد والتراكم، وحين تُتخيَّل تُبنى كخبرة ممتدة قابلة للاستيعاب. ومن هنا، فإنّ الموقع التجريبي لا يكون إطارًا خارجيًا لقراءة النص، بل مبدأً منظّمًا لبنيته الداخلية يتجلّى في طريقة بناء الزمن، وتشكّل الرؤية، وتوزيع المعرفة، بما يجعل تمثيل فلسطين فعلًا سرديًا يتغيّر بتغيّر موقع الكتابة منها.
المصادر والمراجع
العربية:
1. جينيت، جيرار. خطاب الحكاية: بحث في المنهج. ترجمة محمد معتصم وآخرين. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1997.
2. يقطين، سعيد. تحليل الخطاب الروائي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1989.
3. لحميداني، حميد. بنية النص السردي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1991.
4.رمرتاض، عبد الملك. في نظرية الرواية. الكويت: عالم المعرفة، 1998.
5. كنفاني، غسان. عائد إلى حيفا. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية.
6. خوري، إلياس. باب الشمس. بيروت: دار الآداب.
7. عاشور، رضوى. الطنطورية. القاهرة: دار الشروق.
الأجنبية
1. Ricoeur, Paul. Time and Narrative. University of Chicago Press.
2. Bakhtin, Mikhail. The Dialogic Imagination. University of Texas Press.
3. LaCapra, Dominick. Writing History, Writing Trauma. Johns Hopkins University Press.
4. Caruth, Cathy. Unclaimed Experience. Johns Hopkins University Press.
5. Bhabha, Homi K. The Location of Culture. Routledge
