المُشْتَرَكُ اللفْظِيُّ بَيْنَ القُدَماءِ والمُحْدَثينَ
يُعَدُّ المُشْتَرَكُ اللفظِيُّ مِنْ أهَمِّ الظّواهِرَ الدّلالِيّةِ التي ناقَشَها اللُغَوِيّونَ العَرَبُ القُدامى والمُحْدَثونَ مُناقَشاتٍ عَديدَةِ المَنْهَجِ وَالمُحْتَوى؛ لأنّ المُشتَرَكَ اللفظِيَّ يمثّلُ مَظهَرًا رئيسًا لقَضِيّةِ المَعنى، التي اعْتَنى بِها المُفَسِّرونَ والنّحاةُ وَالبَلاغِيّونَ فِي التُراثِ العَرَبِيِّ. والاشْتِراكُ ظاهِرَةٌ عامّةٌ فِي اللغاتِ الطّبيعِيّةِ، وَهُوَ أساسٌ ضَرورَيٌّ لا مَناصَ مِنَ الاشْتِغالِ فِيهِ، وَيُعَدّ- أيضًا- مَجالًا مُهِمًّا لَدى اهْتِماماتِ اللُغَوِيّينَ قَديمًا وَحَديثًا، وَيَكمُنُ السِرُّ وَراءَ هذا الاهْتِمامِ أسبابًا عَديدَةً، مِنْها: بَيانُ سُبُلِ التّوَسُّعِ فِي المَعاني وَدَلالاتِها، وَالوُقوفُ عَلى أسْرارِ بَلاغَةِ المُفرَدَةِ وَدَلائِلِ إعْجازِها، التي كانَتْ تُعْزى إلى النّظمِ مَرّةً، والسِّياقِ مَرّةً ثانِيَةً، وَبَيانُ العَلاقاتِ الرّابِطَةِ بَينَ المَعاني وَالألفاظِ.
وَالمُشْتَرَكُ لُغَةً: هُوَ مِنَ الفِعْلِ المَزيدِ (اشْتَرَكَ) وَمُضارِعُهُ: يَشْتَرِكُ، وَالمَصْدَرُ أوِ الحَدَثُ مِنْهُ: مُشارَكَةً، وَالمَعْنى المُعْجَمِيُّ العامُّ يَدُلُّ عَلى أنّهُما اشْتَرَكا فِي شَيْءٍ واحِدٍ... إلخ.
والمُشْتَرَكُ اللفْظِيُّ اصْطِلاحًا هُوَ: اللَّفظُ الواحِدُ الذي يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِنْ مَعْنى، كالعَيْنِ، فإنّها تُطلَقُ عَلى عَيْنِ الماءِ، وَالعَيْنِ المُبْصِرَةِ، وَتُطْلَقُ مَجازًا عَلى الجاسوسِ...إلخ. وَتَجْدُرُ المُلاحَظَةُ في هذا السِّياقِ، أنّ عُلَماءَ اللغَةِ والأصوليّونَ - ولا سيما فِقْهُ اللغَةِ- كانوا قَدْ ذَكَرُوا تَعْريفاتٍ عِدّةً لِلْمُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ فِي مُصَنّفاتِهِم، وَفي كُتُبِ فِقْهِ اللغَةِ الكَثيرَةِ، فقَدْ عَرّفَهُ ابْنُ فارِسِ، بِقَولِهِ: تُسَمّى الأشْياءُ الكَثيرَةُ بالاسْمِ الواحِدِ، نَحْوَ عَيْنِ الماءِ، وَعَيْنِ المالِ، وَعَيْنِ السّحابِ، وَكانَ قَدْ عَرّفَهُ سيبَوَيْهُ فِي قَوْلِهِ: اعْلَمْ أنَّ مِنْ كَلامِهِم اتِّفاقُ اللفظَيْنِ واخْتِلافُ المَعْنَيَيْنِ.
وَيُلْحَظُ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا، أنّهُم اتّفَقُوا عَلى مَفْهومِهِ وَلَوْ أنّهُمْ عَبّرُوا عَنْ ذلِكَ بِألفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأمْثِلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِمّا يَعْني أنّهُمْ فَهِمُوا المُشْتَرَكَ اللفْظِيَّ فَهْمًا وَظيفِيًّا دَلالِيًّا، وَهُوَ الأمْرُ عَيْنُهُ عِنْدَ المُحْدَثينَ، فَقَدْ عَرَّفَهُ أَحَدُهُمْ أنّهُ: ما اتّحَدَتْ صُورَتُهُ واخْتَلَفَ مَعْناهُ،
وَيُذكَرُ أنَّ َالمُشْتَرَكَ اللفظِيَّ ظاهِرَةٌ لُغَوِيّةٌ جُذورُها ضارِبَةٌ فِي غَوْرِ اللغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَقَدْ ألّفَ فيهِ اللغَوِيّونَ، وَتَحاوَروا مَعَ الأُصولييّنَ فيهِ، وَاتّفَقُوا ثُمّ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ تَفاصيلِهِ، إلّا أنَّ هذا الاخْتِلافَ لا يُمْكِنُهُ إنْكارَ وُجودِ المُشْتَرَكِ اللفظِيِّ البَتّة.
وَنَظَرًا لِلعِنايَةِ التي حَظِيَتْ بِها مَسْأَلَةُ دَلالَةِ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ، لَدى الأُصولِيّينَ واللغَوِيّينَ عَلى السّواءِ، فَقَدْ ظَهَرَتْ فِي اللغَةِ العَرَبِيَّةِ كُتُبٌ تُدَرِّسُها مُنْذُ وَقْتٍ مُبَكِّرٍ. وَتَوَزَّعَتْ مُخْتَلَفُ هذِهِ الدّراساتِ بَيْنَ جَميعِ مَصادِرِ اللغَةِ العَرَبِيَّةِ، فاتّجَهَ بَعضُهُم إلى دِراسَتِها فِي القُرآنِ الكَريمِ، كَكِتابِ المُبَرّدِ (ما اتّفَقَ لَفْظُهُ واخْتَلَفَ مَعْناهُ مِنَ القُرآنِ المَجيدِ) الذي رَكّزَ فيهِ عَلى المُشْتَرَكِ فِي القُرْآنِ الكَريمِ، وَمِمّنْ كَتَبوا فِي هذا النّوْعِ كَذلِكَ مِنَ المُتَأخِّرينَ، أبو الحُسَيْنِ بنُ عَبدِ الصّمَد، وَابْنُ الجَوْزِيِّ.
وَمِمّنْ تَناوَلوا المُشْتَرَكَ اللفظيّ مِنَ العُلَماءِ العَرَبِ المُسْلِمينَ، فِي وَقْتٍ مُتأَخِّرٍ، جَلالُ الدّينِ السُّيوطِيّ، وَمِنْ كُتُبِهِ (مُعْتَرَكُ الأقرانِ فِي إعْجازِ القُرْآنِ) وَغالِبًا ما يَسْتَعْمِلُ السّيوطِيُّ عِنْدَ حَديثِهِ عَنِ المُشْتَرَكِ، لَفْظَ الوُجوهِ وَالنّظائِرِ، فَالوُجوهُ عِنْدَهُ هُوَ ما يَعْنيهِ اللغَوِيّونَ بِالمُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ.
آراءُ العُلَماءِ القُدَماءِ والمُحْدَثينَ فِي المُشْتَرَكِ اللفظِيِّ:
أوّلًا: آراءُ القُدَماءِ:
اخْتَلَفَتْ نَظْرَةُ العُلَماءِ المُتَقَدّمينَ فِي وُقوعِ المُشْتَرَكِ اللفظِيِّ فِي اللغَةِ العَرَبِيّةِ، فَمِنْهُم مَنْ ذَهَبَ إلى أنّهُ واجِبُ الوُقوعِ وَعِلّتُهُمْ أنّ المَعانِيَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والألفاظُ مُتَناهِيَةٌ، فَإذا وُزِّعَ لَزِمَ الاشْتِراكُ. وَذَهَبَ الأكثَرونَ إلى أنّهُ مُمكِنُ الوُقوعِ، وَمِنْ هؤلاءِ: الخَليلُ والأصمَعِيّ وسيبَوَيهُ وأبو فارسٍ وَالمُبَرّدُ، وابْنُ جِنّي... إلخ؛ لِجَوازِ أنْ يَقَعَ، إمّا مِنْ واضِعَيْنِ، بِأنْ يـَضَعَ أحَـدُهُما لَفْظًـا لِمَعْنًى، ثُمَّ يَضَعُهُ الآخَرُ لِمَعنًى آخَرُ، وَيَشْتَهِرُ ذلِكَ اللفْظُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ فِي إفـادَةِ المَعْنَيَيْنِ، وَهذا عَلى أنَّ اللغاتِ غَيْرَ تَوقيفِيّةٍ، وإمّا مِنْ واضِـعٍ واحِـدٍ لِغـَرَضِ الإبْهامِ عَلى السّامِعِ حَيْثُ يَكونُ التَّصريحُ سَبَبًا لِلمَفْسَدَةِ، كَما رُوِيَ عَنْ أبي بَكـْرٍ الصِّدّيقِ، وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ النَّبِيِّ أثناءَ الهِجْرَةِ مِنْ مَكّةَ إلى المَدينَةِ، مَنْ هذا؟ قالَ: هذا رَجُلٌ يَهديني السّبيلَ.
يَقولُ سيبَوَيْهُ: "وَمِنْ كَلامِهِمُ اتّفاقُ اللفْظَيْنِ وَالمَعْنى مُخْتَلِفٌ، نَحْـوَ قَوْلـِكَ: وَجَدْتُ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجَدَةِ، وَوَجَدْتُ إذا أرَدْتَ وِجْدان الضّالَةِ وَأشْباهَ هذا كَثيرٌ.
وَيَقولُ المُبرَّدُ: "وَأمّا اتّفاقُ اللفْظَيْنِ واخْتِلافُ المَعْنَيَيْنِ، فَنَحْوَ: وَجَدْتُ شَـيْئًا إذا أرَدْتَ وِجدانَ الضّالَّةِ، وَوَجَدْتُ زَيْدًا كَريمًا: عَلِمتُ.
وَالجَديرُ بَيانُهُ، أنَّ مِنَ العُلَماءِ مَنْ ضَيّقَ في مَفْهومِ المُشْتَرَكِ تَضييقًا شَديدًا، مِثْلَ أبي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وابْنِ دِرِسْتَوَيْهَ؛ فَقَدْ قَصّرَ الفارِسِيُّ مَجيءَ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ عَلى اخْتِلافِ اللغاتِ والاستِعارَةِ، وَأمّا ابْنُ دِرِسْتَوَيْهَ فَقَدْ أخْرَجَ الكَثيرَ مِنَ الكَلِماتِ مِنَ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ، فَقَدْ قالَ بِخُصوصِ لَفْظَةِ (وَجَدَ) هذِهِ اللفْظَةُ مِنْ أقْوى حُجَجِ مِنْ يَزعُمُ أنّ مِنْ كَلامِ العَرَبِ ما يَتّفِقُ لَفظُهُ وَيَختَلِفُ مَعناهُ؛ لِأَّنَّ سِيبَوَيْهَ ذَكَرَهُ فِي أوّلِ كِتابِهِ، وَجَعَلَهُ مِنَ الأُصولِ المُتَقَدّمَةِ، فَظَنَّ مَنْ لَمْ يَتَأمَّلِ المَعاني، وَلَمْ يَتَحَقّقْ أنّ هذا اللفظَ واحِدٌ، قَدْ جاءَ لِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَإنّما هذِهِ المَعاني كُلَّها شَيءٌ واحِدٌ وَهُوَ إصابَةُ الشّيءِ خَيرًا كانَ أو شَرًّا، وَلكِنْ فَرّقوا بَيْنَ المَصادِرِ؛ لِأنّ المَفعولاتِ كانَتْ مُخْتَلِفَةً، فَجَعَلَ الفرقَ في المَصادِرِ بِأنّها مَفعولَةٌ.
وَمِنَ المُلاحَظِ أنّ ابْنَ دِرِسْتَوَيْهَ قَدْ أخْرَجَ مِنْ بابِ المُشْتَرَكِ، اللفْظَ المُتَعَدِّدِ المَعاني، مادامَتْ هذه المَعاني راجِعَةٌ إلى مَعنى تَتَفَرّعُ عَنهُ، وَعَدَّ إدْخالَ هذا اللفْظِ فيهِ إلباسٌ في الكَلامِ، وَهذا لَيسَ مِنْ بابِ الصّوابِ، فالأصلُ فِي اللغَةِ الإبانَةُ والإيضاحُ.
وَالحَقُّ أنّ كُلًا مِنهُم قَدْ تَنَكّبَ جادّةَ الحَقِّ فيما ذَهَبَ إليْهِ، سواءٌ مَنْ أوجَبَ وُقوعَهُ بِكَثْرَةٍ، أَو مَنْ أنكَرَهُ إنكارًا تامًّا، وَذَهَبَ إلى تأويلِ أمثِلَتِهِ، كَابْنِ دِرِسْتَوَيْهَ والفارِسِيِّ، فَمِنَ التّعَسُّفِ مُحاوَلَةُ إنكارِ المُشتَرَكِ اللفظِيِّ، وَتأويلِ جَميعِ أمثِلَتِهِ تأويلًا يُخْرِجُها مِنْ هذا البابِ، ذلِكَ أنّهُ في بَعضِ الأمثِلَةِ لا توجَدُ بَيْنَ المَعاني التي يُطْلَقُ عَلَيْها اللفظَ الواحِدَ أيّةَ رابِطَةٍ واضِحَةٍ تُسَوِّغُ هذا التّأويلَ.
كَما أنَّهُ لَمْ يَكثُرْ وُرودُ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ فِي اللغَةِ العَرَبِيَّةِ عَلى الصّورَةِ التي ذَهَبَ إلَيْها الفَريقُ الأوّلُ وَالثّاني، ذلِكَ أنّ كَثيرًا مِنَ الأمْثِلَةِ التـي ظَـنَّ هـذانِ الفَريقانِ أنَّها مِنْ قَبيلِ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ يُمْكِنُ تَأويلُها عَلى وَجْهٍ آخَرَ يُخْرِجُها مِنَ البابِ. وَلَيْسَ الأمْرُ مِنَ البَساطَةِ بِالقَدَرِ الذي يُصَوِّرُهُ القُدَماءُ مِنْ عُلَماءِ اللغَةِ؛ إذْ قَدْ وَقَعَ المُشْتَرَكُ اللفْظِيُّ فِي كُلِّ لُغَةٍ، وَقَدْ دَعَتْ عَوامِلُ مُتَعَدِّدَةٌ لِوُقوعِهِ.
ثانِيًا: آراءُ المُحْدَثينَ:
كَما اخْتَلَفَ القُدَامى فِي وُقوعِ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ، كَذلِكَ اخْتَلَفَ فـِي وُقوعـِهِ المُحْدَثونَ؛ حَيْثُ أثْبَتَ كَثيرٌ مِنَ المُحْدَثينَ وُجودَ المُشْتَرَكِ اللفْظِـيِّ فـِي لُغَتِنـا العَرَبِيّةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الأسْتاذُ جُورجي زَيدانَ: أنّ مِنْ مُمَيْزاتِ العَرَبِيّةِ دَلالَةَ اللفْـظِ الواحِدِ عَلى مَعانٍ كَثيرَةٍ، فَالحَميمُ، مَثَلًا، لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرونَ معنًى...
وَيَقُولُ الدُّكْتورُ تَوفيقُ مُحمد شاهين: وَلا مَعنى لِإنْكارِ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ مَعْ مـا رُوِيَ لَنا مِنَ الأساليبِ الصّحيحَةِ مِنْ أمثِلَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها الشَّكُ، وَلَهُ مِنَ الأسْبابِ مـا يَدْعُو لِوُجودِهِ فِي اللغَةِ مِنْ واضِعٍ أوْ أكْثَرَ.
مِمّا يُوجِبُ ذِكْرُهُ في السّياقِ، أنَّ بعضَ المُحْدَثينَ ضَيّقَوا من مَفْهومِ المُـشْتَرَكِ تـَضْييقًا شـَديدًا، وَأخْرَجوا مِنْهُ الكَثيرَ مِنَ الكَلِماتِ، وَمِنْ هؤُلاءِ: الدُّكْتورُ إبْراهيمُ أنيس، وَالدُّكتورُ عَلِيٌّ عَبْدُ الواحِدِ وافي، فَالدّكْتورُ إبراهيمُ أنيس يُخْـرِجُ مِـنْ بابِ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ، الكَلِماتِ التي تُوجَدُ بَيْنَ مَعانيها عَلاقَةٌ مَجازِيَّـةٌ؛ حَيـْثُ يُشْتَرَطُ أنْ تَكونَ الكَلِمَةُ دالَّةٌ عَلى مَعانٍ مُتَبايِنَةٍ حَتّى تُعَدُّ مِنَ المُشْتَرَكِ اللفظِيِّ، أمّا الدُّكتورُ عَليٌّ عَبْدُ الواحِدِ وافي، فَقَدْ أخْرَجَ مِنَ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ الكَلِماتِ التي نُقِلَتْ عَنْ مَعناها الأصْلِيِّ إلى مَعانٍ مَجازِيَّةٍ أُخْرى لِعَلاقَةٍ مـا، فـاعْتُبِرَتْ لِذلِكَ مِنَ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ، وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْهُ كَلَفْظِ الهـِلالِ، وَالحـُروفِ التـي تَحْتَمِلُ أكْثَرَ مِنْ مَدْلولٍ واحِدٍ، وَأفْعالُ الماضي والمُضارِعِ التـي تـُستَعمَلُ فـي الخَبَرِ تارَةً، وَفي الدُّعاءِ تارَةً أُخْرى، وَغَيْرِها.
وَلَعَلّني أجِدُ نَفْسي مُخْتَلِفًا مَعَهُما فِي هذا الرَّأْيِ؛ لِأنَّ المُشْتَرَكَ اللفْظِيَّ يُعَدُّ مـِنْ عَوامِلِ تَنْمِيَةِ اللغَةِ، وَزِيادَةِ ثَرْوَتِها، وَلَيْسَ بِنادِرِ الوُقوعِ، فَقَدْ وَرَدَ كَثيرًا فِي اللغَةِ، وَقَدْ قالَ بِذلِكَ كَثيرٌ مِنْ عُلَماءِ اللغَةِ الثِّقاتِ مِنَ القُدامى وَالمُحْدَثينَ، ولا أجِدُ ضَيْرًا في أنْ تَكونَ وَسائِلُ تَوليدِ المُشْتَرَكِ اللفْظِيِّ مُتَعَدِّدَةً مَجازِيَّةً كانَتْ أمْ غَيْرَها.
وَجُمْلَةُ القَوْلِ في هذِهِ المَقالَةِ، إنَّ المُشْتَرَكَ اللفْظِيَّ قلَّ - إلى الحَدِّ الذي اعْتَرَفَ بِهِ مُنْكِرُوهُ- أوْ كَثُرَ إلى الحَدِّ الذي كَتَبَ فيهِ بَعْضُهُمُ مُصَنّفاتٍ سيّانٌ، والأمْرُ واحِدٌ، وَهُوَ أنّهُ مَوْجودٌ فِي اللغَةِ، وَلَهُ دَوْرٌ في تَحديدِ هذِهِ الدّلالَةِ أوْ تِلْكَ. غَيْرَ أنّ الفَرْقَ الذي قَدْ يَبْدُو بَيْنَهما، أنّ المُثْبِتينَ لَهُ لَمْ يَبْحَثُوا في أسْبابِ وُجودِهِ فِي اللغَةِ، بَلِ اكْتَفُوا بِحَدِّ القَوْلِ بِهِ، وَأنّهُ مِنَ اللهجاتِ القَبَلِيّةِ، أوْ مِنَ التّوَسُّعِ المَجازِيِّ، وَما شاكَلَ ذلِكَ مِنْ آراءٍ لَمْ يَرُدّ أصْحابُها التّفْصيلَ فيها. بَيْنَما فَصَلَ المُقَلّلونَ مِنْهُ، أوِ المُنْكِرونَ لَهُ، فِي أسْبابِ حُدوثِهِ بِما يَدْعَمُ آراءَهُمْ وَيُزَكّيها. غَيْرَ أنّ المُتَتَبِّعَ لِما وَرَدَ في اللغَةِ مِنَ ألفاظٍ دالّةٍ عَلى المُشْتَرَكِ فِي أغْلَبِها، سَيَلحَظُ أنّها تَعودُ إلى النّقْلِ والارْتِجالِ.
لَعَلّ ما يُثبِتُ ما اسْتُنتجَ في هذِهِ العُجالَةِ النّقدِيّةِ، أنَّ مُعْظَمَ مَوْضوعاتِ فِقْهِ اللغَةِ وَمَضامينِهِ قَدْ أثارَ اللغَوِيّونَ وَالأُصولِيّونَ نِقاشاتٍ حادّةً فيها تَراوَحَتْ ما بَيْنَ قَبولٍ وَرَفْضٍ وَإنْكارٍ، كَالّذي حَدَثَ مَعَ قضِيَّةِ التّرادُفِ في اللغَةِ أوْ في القُرآنِ الكَريمِ.
وَالمُشْتَرَكُ اللفْظِيُّ دارَتْ حَوْلَهُ هذِهِ المُناقَشاتُ بَيْنَ أرْوِقَةِ مُصَنّفاتِ العُلَماءِ الأُصولِيّينَ واللغَوِيّينَ.

مشاركة منتدى
٩ حزيران (يونيو) ٢٠٢١, ١٤:٤٠, بقلم خالد حمزة عثمان محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، النص علمي واضحة العبارات؛ فقط أتسآءل عن التوثيق؟
أين أجد توثيق النص للمزيد من الدراية؟
شكراً
٢٦ شباط (فبراير) ٢٠٢٢, ١٦:٥١, بقلم زهراء
يا ريت ذكر المصادر
٣ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٥, ٢٠:١٤, بقلم العطار طارق
الأدب التفاعلي
يعد الأدب الرقمي التفاعلي من مجموعة الإبداعات التي تولدت مع توظيف الحاسوب والتكنولوجيات الحديثة، وهو" جنس أدبي جديد ظهر على الساحة الأدبية، يقدم أدبا جديدا يجمع بين الأدبية والتكنولوجية. ولا يمكن لهذا النوع من الكتابة الأدبية أن يتأتّى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، من خلال الشاشة الزرقاء المتصلة بشبكة الانترنيت العالمية، ويكتسب هذا النوع من الكتابة الأدبية صفة التفاعلية بناء على المساحة التي يمنحها للمتلقي، والتي يجب أن تعادل أو تزيد عن مساحة المبدع الأصلي للنص"(1) مما يعني قدرة المتلقي على التفاعل مع النص بكل حرية وإبداعية لأنه يكون في مواجهة مباشرة مع النص عن طريق الروابط، التي تتيح للمتلقي العديد من الخيارات في عملية التلقي أو الإبداع ، فهو يبدع نصا جديدا ومختلفا كلما اختار رابطا مختلفا يتحكم بمساراته القرائية، إذ لم يعد المتلقي في إطار الأدب التفاعلي مجبرا على اتخاذ بداية موحدة بينه وبين مجموع المتلقين الآخرين، لان البدايات غير موحدة وكذلك النهايات.
وتتّصف نصوص (الأدب التفاعلي) بعدد من الصفات التي تميّزها عن نظيرتها التقليدية.كما ترى الناقدة الإماراتية (فاطمة البريكي) منها على سبيل المثال، ما يلي:
1-أن (الأدب التفاعلي) يقدّم نصًا مفتوحًا، نصًا بلا حدود، إذ يمكن أن ينشئ المبدع، أيًا كان نوع إبداعه، نصًا، ويلقي به في أحد المواقع على الشبكة، ويترك للقرّاء والمستخدمين حرية إكمال النص كما يشاؤون..
2-أن (الأدب التفاعلي) يمنح المتلقي أو المستخدم فرصة الإحساس بأنه مالك لكل ما يقدم على الشبكة، أي أنه يُعلي من شأن المتلقي الذي أُهمل لسنين طويلة من قبل النقاد والمهتمين بالنص الأدبي، والذين اهتموا أولا بالمبدع، ثم بالنص، والتفتوا مؤخرًا إلى المتلقي..
3-لا يعترف (الأدب التفاعلي) بالمبدع الوحيد للنص، وهذا مترتب على جعله جميع المتلقين والمستخدمين للنص التفاعلي مشاركين فيه، ومالكين لحق الإضافة والتعديل في النص الأصلي.
4-البدايات غير محددة في بعض نصوص (الأدب التفاعلي)، إذ يمكن للمتلقي أن يختار نقطة البدء التي يرغب بأن يبدأ دخول عالم النص من خلالها، ويكون هذا باختيار المبدع الذي ينشئ النص أولا، إذ يبني نصه على أساس ألا تكون له بداية واحدة، والاختلاف في اختيار البدايات من متلقٍ لآخر يجب أن يؤدي إلى اختلاف سيرورة الأحداث (في النص الروائي، أو المسرحي، على سبيل المثال) من متلقٍ لآخر أيضًا، وكذلك فيما يمكن أن يصل إليه كل متلقٍ من نتائج..
5-النهايات غير موحّدة في معظم نصوص (الأدب التفاعلي)، فتعدد المسارات يعني تعدد الخيارات المتاحة أمام المتلقي/ المستخدم، وهذا يؤدي إلى أن يسير كل منهم في اتجاه يختلف عن الاتجاه الذي يسير فيه الآخر، ويترتب على ذلك اختلاف المراحل التي سيمر بها كل منهم، مما يعني اختلاف النهايات، أو على الأقل، الظروف المؤدية إلى تلك النهايات وإن تشابهت أو توحدت.
6-يتيح (الأدب التفاعلي) للمتلقين/ المستخدمين فرصة الحوار الحي والمباشر، وذلك من خلال المواقع ذاتها التي تقدم النص التفاعلي، رواية كان، أو قصيدة، أو مسرحية، إذ بإمكان هؤلاء المتلقين/ المستخدمين أن يتناقشوا حول النص، وحول التطورات التي حدثت في قراءة كل منهم له، والتي تختلف غالبًا عن قراءة الآخرين.
7-أن جميع المزايا تتضافر لتتيح هذه الميزة وهي أن درجة التفاعلية في الأدب التفاعلي، تزيد كثيرا عنها في الأدب التقليدي المقدم على الوسيط الورقي.
8-في (الأدب التفاعلي) تتعدد صور التفاعل، بسبب تعدد الصور التي يقدّم بها النص الأدبي نفسه إلى المتلقي/ المستخدم(2).
و يعرفه الناقد المغربي–سعيد يقطين-بأنه"مجموع الإبداعات والأدب من أبرزها التي تولدت مع توظيف الحاسوب،ولم تكن موجودة قبل ذلك،أو تطورت من أشكال قديمة ولكنها اتخذت مع الحاسوب صورا جديدة في الإنتاج والتلقي"(3).
أما الناقدة المغربية–زهور كرام- التي اختارت تسميته بالأدب الرقمي فترى بأنه التعبير الرقمي عن تطور النص الأدبي الذي يشهد شكلا جديدا من التجلي الرمزي باعتماد تقنيات التكنولوجيا الحديثة والوسائط الالكترونية،فلأدب الرقمي أو المترابط أو التفاعلي يتم في علاقة وظيفية مع التكنولوجيا الحديثة ويقترح رؤى جديدة في إدراك العالم، كما أنه يعبر عن حالة انتقالية لمعنى الوجود ومنطق التفكير.(4).
ما يفهم من مصطلح الأدب التفاعلي والذي يقوم على تقنية النص المترابط؛"نظام يتشكل من مجموعة من النصوص ومن روابط تجمع بينها متيحا بذلك للمستعمل إمكانية الانتقال من نص إلى آخر حسب حاجياته(5)" هو أنه كتابة وقراءة معلوماتية غير خطية للنص الأدبي الذي يدخل عصرا جديدا بإيقاع تكنولوجي رقمي وبأدوات إبداعية تواكب مجريات العصر (الحاسوب المتصل بشبكة الانترنت) والإفادة من عناصر الميلتميديا التي لم تعد فيه الكلمة سوى جزء من عناصر متعددة كالصوت والصورة والموسيقى والألوان، ويفتح هذا النمط من الكتابة الرقمية فضاء واسعا من التداخل والتفاعل بين الكتاب والقراء المتلقين الذين يتحولون بدورهم إلى مبدعين في النص التفاعلي الذي لا يعترف بالمبدع الوحيد للنص ويفتح المجال واسعا أمام المتلقي ليشارك في العملية الإبداعية ويسهم عبر قراءته التفاعلية الرقمية في خلق نصوص جديدة ولا نهائية.
يقدم الأدب التفاعلي معايير جمالية جديدة وخصائص لم تكن متاحة من قبل في النص الورقي كخاصية تعدد المبدع والتأليف الجماعي للنص الرقمي وتعدد الروابط التي تؤدي بدورها إلى تعدد النصوص حسب اختيارات المتلقين، بعكس الأدب الورقي الذي تكون البداية موحدة والنهايات محدودة، إضافة إلى صعوبة الحصول على الكتاب الورقي مقارنة بنظيره الرقمي الذي يسهل حمله و تحميله من خلال الحاسوب، لذلك فمن الطبيعي أن يعرف هذا الأدب في المستقبل القريب انتشارا واسعا ورواجا كبيرا في الأوساط الأدبية ليحل محل الأدب الورقي المطبوع، سواء أكان هذا الإحلال كليا أم جزئيا، فإن هناك عملية إحلال متسارعة تتسع وتستحكم باستحكام التكنولوجيا ومدى توظيفها في الحياة اليومية، وهذا لا يعني أن الصيغ التقليدية للإبداع الورقي مهددة بالزوال وإنما هي قادرة على الصمود والاستمرار من خلال تعايش الإبداعين معا.خاصة في التجربة العربية التي تعرف تأخرا نوعيا في الإفادة من الإمكانيات التكنولوجية المتطورة، وبالتحديد طبيعة علاقة المبدع الأدبي العربي بالإمكانات الهائلة التي تتيحها شبكة الإنترنت، ومدى إفادته منها، وتوظيفه لها في نصوصه، نجده لا يزال مرابطًا عند الخطوة الأولى التي خطاها المبدعون الغربيون في بداية تعاملهم مع هذه الشبكة، وهي تقديم نسخة رقمية للنسخة الورقية لأعمالهم،وقد وصف الناقد المغربي (محمد أسليم) حالة الركود الإلكتروني التي يعيشها المشهد الثقافي العربي في عصر الثورة المعلوماتية ب (الغفوة الإلكترونية) في دراسته (المشهد العربي في الانترنيت:قراءة أولية)(6) حاول فيها تقييم الحضور العربي على الشبكة، موضحا صعوبة ذلك وانعدامه تقريبا لأسباب عديدة ورد ذكرها في دراسته، وفي حديثه عن بناء المواقع العربية على الشبكة أشار إلى غياب البعد التفاعلي مستخدما لفظة (التفاعلي) بالمعنى الغربي المعاصر، منتقدا الإبداع العربي على الشبكة الذي وصفه بالسطحي التقليدي، كونه لا يعدو أن يكون نسخة الكترونية عن النسخة الورقة التقليدية.
الهوامش والإحالات:
1 -فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، المركز الثقافي العربي،بيروت، 2006، ص49.
2-المرجع نفسه،ص53.
3-سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط،مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2005، ص10.
4- زهور كرام،الأدب الرقمي أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيية،رؤية للنشر والتوزيع،القاهرة،ط1،2009،ص22
5-المرجع السابق، ص 101.
6-محمد أسليم، انظر الرابط: http ://www. addoubaba.com/aslim.htm