الكتّاب المغاربة باللغة الإسبانية:محمد بويسف الركاب
محمد بويسف الركاب، كاتب وصحافي مغربي. عرف ككاتب للرواية التاريخية. ولد بتاريخ 20 دجنبر سنة 1948 بتطوان، من أب مغربي وأم إسبانية. درس اللغة الإسبانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، التي حصل بها على الإجازة في الأدب الإسباني سنة 1973.
وفي سنة 1975 سافر إلى إسبانيا لمتابعة دراسته الجامعية هناك، قبل أن يتم تعيينه محررا ومذيعا بالتلفزة المغربية. وفي سنة 1983 حصل على الدكتوراه في الفلسفة والأدب من جامعة مدريد الحرة. بدأ مساره التعليمي كأستاذ في التعليم الثانوي، ثم أستاذا بمركز مولاي يوسف بالرباط، ثم أستاذا بجامعة عبد الملك السعدي بتطوان سنة 1983. وفي سنة 2005 عمل أستاذا بالجامعة الوطنية للتعليم عن بعد بسبتة.
ويعد بويسف الركاب أحد الأعضاء المؤسسين لـ"جمعية الكتاب المغاربة باللغة الإسبانية"، التي انتخب على رأسها سنة 1997.
شرع في نشر أول أعماله الأدبية سنة 1994. وله عدة مؤلفات نذكر منها:
ـ العراف EL VIDENTE
ـ الطيش DESMESURA
ـ الكرماء LOS BIENACIDOS
ـ الصامدون LOS INQUEBRANTABLES
ـ داخل الأسوار LOS INTRAMUROS، الصادرة سنة 1999. وهي قصة حاول من خلالها محمد الركاب العودة بالذاكرة إلى زمن الطفولة، وجعله القارئ يعيش مجموعة من الأحداث عرفتها قرية صغيرة بمنطقة الريف، وذلك من خلال توظيف شخصيتين محوريتين تنتميان إلى جيلين مختلفين، نجح الكاتب في استثمارهما كشكل من أشكال التعبير عن ذلك التقابل المعهود ما بين القرية والمدينة، تقابل جعله يلخص تلك التجاذبات التي كانت تتنازع المجتمع المغربي في السبعينات، ما بين تيار التقليد والحداثة.
صدر له أيضا أربعة عناوين أخرى هي:
ـ متاهة عبد الكريم/EL dedalo de abdelkrim سنة 2002، و "ثورة الصمت/El motin del silencio"، "السيدة/La señora"سنة 2006. وأخيرا "عيشة، سماء البندورة/Aixa,el cielo de Pandora" سنة 2007.
والملاحظ أن الكاتب في كل هذه الأعمال اختار أن يجعل من بلده المغرب نقطة الإرتكاز في معالجته لمختلف المظاهر والقضايا التي تتنازع المجتمع المغربي المعاصر.
وللكاتب أيضا، غلى جانب هذه الأعمال السردية، مؤلف يتحدث عن الكتاب المغاربة الذين يكتبون باللغة الإسبانية تحت عنوان "الكتاب المغاربة باللغة الإسبانية. مجموعة التسعينيات"، نشر بتطوان سنة 1997. وله ايضا محموعة من القصائد الشعرية، نشرت بمجلة (ليكا عربي/Liga Arabi) تحت عنوان: "مواضيع عربية/Temas Arabis"في دجنبر من سنة 1986.
كما سبق له أن فاز بجائزة EDUARDO MENDOSA للقصة القصيرة عن روايته "المدينة الموشومة/La Ciudad tatuada". كما قام أيضا بإرسال روايتيه: "السيدة/La señora" و"عيشة/Aicha" إلى المكسيك للمشاركة في أحد مهرجانات الكتاب هناك. يقول محمد الركاب في حوار أجرته معه جريدة "La mañana" المغربية بتاريخ 19ـ12ـ2003 عدد108، عن التيمات التي تحضر في كتاباته:" الموضوع الذي أعالجه في كتاباتي هو النفاق الاجتماعي المغربي. ما أريد أن أتركه واضحا لدى القارئ المغربي هو أن يكتشف العقلية أو الطبع المغربي، لأننا لسنا ذلك الشعب الجميل الذي يحترم الكل ولكن نحن طيبون وفي نفس الوقت سيئون".
وهو إلى جانب ذلك، عضو في عدة جمعيات ثقافية نذكر منها:
ـ الكتاب المغاربة باللغة الإسبانية
ـ الأعمال المهنية لصالح الشبان المغاربة
ـ أصدقاء السينما بتطوان.
ـ التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 2010.
عيشة، سماء البندورة
حسب بعض النقاد، يمكن اعتبار رواية "عيشة" لمحمد الركاب من ضمن النصوص السردية التي توجد على تماس مع رسومات (رومان سلوكومب) المثيرة والمؤلمة، وأيضا مع "الواقعية القدرة" مع محمد شكري والكاتب الكولومبي (بيدرو خوان كوتييريز). فعيشة تمتلئ كثيرا بالحكايات الأسطورية التي تعشعش في جنبات المدينة، كما أنها تمتلئ بإشارات وتلميحات مكثفة للأشكال والممارسات الجنسية المتخلفة (تجب الإشارة إلى أن أحداث هذه الرواية تجري بتزامن مع فترة الحماية الإسبانية للمغرب). وكحكم قيمي جمالي ـ أدبي، يمكن القول أن بناء شخصية "عيشة العاهرة" في الرواية تقترب كثيرا من محركات وإغراءات الشخصية المحورية في رواية "في مدح المرأة المسنة /En brazos de la mujer madura" لـ (ستيفان فيزينكزي) في كل ما يتعلق بالتجربة الجنسية الأولى التي يخوضها الشاب لأول مرة ¹.
ولتقريب القارئ أكثر من فهم مغالق هذا العمل السردي لمحمد الركاب نقدم فيما يلي مقطعا من الرواية² ترجمناه عن الأصل الإسباني، والذي نجده يتمثل بشكل أفضل ومكثف عوالم "عيشة، سماء البندورا"*.
V I
يعتبر الماضي والمستقبل والحاضر مجرد أزمنة داخلية للكائن
الإنساني، يمكن أن نستمتع بها متى نشاء.
وفي الواقع، فهذه المتعة تكافئنا شعريا على فظاعة هذه
الحرب التي نخوضها ضد لا شيئ.
رامون ج.سندر
كان الجو لا يزال حارا، ولا يزال في إمكاننا الذهاب إلى الشاطئ. فعندما ستبدأ الدراسة، ستنتهي فترات الراحة والتجوال والنزهات المخادعة مع فتيات الحي. وكان لابد من إنهاء المسار الدراسي في غضون أربع سنوات، لأنه من غير المسموح لنا بالسقوط، وعوائلنا لا تتوفر على الإمكانات المادية المطلوبة لمساعدتنا على متابعة الدراسة. استمررنا في الاعتقاد بأن الأمر لا يحتاج منا إلى مجهود كبير، فالقليل من اللغة الإسبانية التي تعلمناها من خلال الاحتكاك والحديث مع جيراننا وأصدقائنا الإسبانيين، وكذا متابعتنا للدروس الإسبانية بالمعهد، كانت كافية لتجعلنا من الأوائل. لكن عندما انطلقت الدراسة تبين لنا أن السهولة التي اعتقدناها كانت مجرد وهم لا غير.
ـ إنه لشيء لا يصدق أن يحصل هذا التحول الكبير في فتياتنا. فقد صرن يستحممن في البحر بكل أريحية. هل تتذكر ذلك اليوم الذي نزلنا فيه إلى الشاطئ فوجدنا النساء يستحممن بتنوراتهن في مكان بعيد عن الرجال.
ـ بالتأكيد أتذكره، أتذكر كل شيء. كان يعجبني منظر النساء وهن خارجات من البحر وقد التصقت الثياب بأجسادهن. للأسف، لم نعد نرى اليوم مشاهد من هذا القبيل.
لا زلت أذكر أننا كنا في ذلك اليوم جالسين على رصيف إحدى المقاهي نشرب بعض المبردات، وأمامنا جماعة من المصطافين، من بينهم عدد لا يحصى من الفتيان والفتيات. وكلانا كان يفضل مشاهدة الناس على الشاطئ بدلا من الاستحمام. اقترب منا زملاء قدامى كانوا يدرسون معنا بالمعهد، وبدأنا نتحدث عن أجواء الدراسة وعن الطلبة الذين لم يحالفهم الحظ في النجاح وصاروا مطالبين بإعادة السنة، ومنهم من فكر في الهجرة إلى أوروبا، خاصة إلى لندن أو جبل طارق. كنا نتحدث معهم وكأننا الأفضل في الدراسة، وأن الله تولانا بعونه. جميعنا كان يصر على أن فوجنا كان هو الأفضل، محاولين إقناع أنفسنا بذلك، وإن كان الأمر في الواقع لم يقنع أحدا. كانت الفتيات تمرن بجانبنا وهن يتحدثن عن فلان وعلان، وعن حظهن السعيد في اجتياز الباكالوريا. لكن أعرف أن الغالبية منهن، كمثلي تماما، مارسن الغش في الامتحان. وهذا واحد من أسرارنا الشخصية. كنا نعرف فيما يتحدثن، لأن غالبيتنا نحن الذكور له أخوات نعرف من خلالهن ما يدور بين الفتيات. النجاح في الباكالوريا كان ينظر إليه كمحطة لتحديد المسار المهني المستقبلي بالنسبة للطالب، وكفرصة للظفر بمنصب شغل في سلك الدولة. وهو ما يجعل منا كمشروع أزواج مفضلين لدى فتيات المدينة. لكن سيدي أحمد، كما أنا، لا يريد أن نشغل أنفسنا بهذه الترهات. فعلا كنا نرغب في ربط علاقات مع الفتيات. لكن كنا نفضل أن يكن عابرات، من خارج المدينة. أذكر أنني تعرفت على فتاة صغيرة بمدينة العرائش، وأنها كانت في كل مرة تريد الحديث إليّ تقول لي "خطيبي"، وهو ما شكل لي إزعاجا متواصلا إلى أن قررت عدم العودة للخروج معها. بصراحة، أتأسف لعدم ممارسة الجنس معها. كانت جميلة وشقراء، ولها جسد في غاية الروعة والجمال. حاولت معها أكثر من مرة، لكنها في كل مرة كانت تقول لي:"بيتنا ليس ببعيد،اطلب يدي من والدي ولك بعد ذلك كل جسدي". اللعنة...ولكي لا تعرف، كنت أحدث ضوضاء كثيرا لأجعل هذا الجزء من حياتي يختفي بلا رجعة. فأنا أعترف أني كنت منافقا ولعوبا.
عندما كنا نريد العودة إلى المدينة كنا نعبر النهر فوق قارب صغير. لقد ولت تلك الأيام التي كنا نعبر فيها النهر سباحة لعدم توفرنا على النقود. وكم من مرة قضينا اليوم كله دون تذوق لقمة طعام واحدة. كانت أجمل اللحظات التي نقضيها في الشاطئ هي تلك التي كنا نتسمر فيها على الرمال ونحن نتابع بأعيننا أجساد الفتيات. هذا ما كان يحصل في الماضي وما يزال يحصل إلى اليوم وكأن الأحداث لم تجر إلا يوم البارحة، كما لو أن البحث عن الماضي هو هدية أبدية منحتها إيانا قوة خارقة. آه على ذلك الزمان الذي كانت فيه الفتيات تسبحن في تنورتهن.
قررنا أن يذهب كل واحد إلى حال سبيله وأخذ قسط من الراحة، على أن نلتقي الساعة الثامنة والنصف مساء بـ"مقهى سنطرال". والذي لم يعرفه صديقي أبدا هو أنه عندما نفترق أذهب مباشرة للقاء "عيشة الرحمونية". لم أشأ أن أمارس الجنس معها كما الحيوان. حاولت أن أكون معها مهذب، الشيء الذي لم تفهمه عيشة نفسها، لأنها لم تبد أي رد فعل عندما كنت أقول لها أشياء جميلة. كنت أحدثها بينما أنا منهمك في ممارسة الحب معها. الحب؟ هل سبق لي حقا أن مارست الحب مع هذه المسكينة ولو مرة واحدة في حياتي؟ الشهود الوحيدون الذين يمكن أن يجيبوا على هذا السؤال هم الموتى الذين يرقدون على الجانب الآخر من الجدار، على الرغم من أن مسارا ضيقا يفصله عن الصخور؛ حيث كنت معها. وفي الوقت الذي أقضي فيه وطري منها يكون هو الوقت الذي أذهب فيه إلى المنزل. أذكر أنني كنت أدفع لهذه المرأة المسنة مبلغا محترما، وفي نيتي أن أساعدها قدر الإمكان. لم يسبق لي أن حكيت هذه القصة لأحد من أصدقائي الطلبة بالرباط، مع كامل الشوق الذي يسكن شابا مراهقا في سني ويدفعه للسفر إلى العرائش بحثا عن "عيشة". فهذه المرأة، في تقديري، لن تكون أبدا رمزا للفضيلة بالنسبة للشباب. فبفضل هذه المرأة تعلمت ومعي الشباب العرائشي الذي هو من جيلي، كيف نجالس النساء. فلم يحدث أبدا أن أصبنا بحالات مرضية أو جنسية من هذا النوع أو ذاك..كيف لا أتذكرها مع الشكر الكبير؟ أذكر أن عيشة قالت لي يوما أنها تأخذ كل شهر، ومنذ شبابها، حقنة طبية تعطيها إياها السيدة زهرة. وأضافت أن هذه الحقنة نفسها كانت تأخذها بالمستشفى العسكري عندما كبرت وتقدم بها السن. وقد عبر لي صديقي سيدي أحمد عن غضبه بسبب هذا الفعل، فنحن، كما قال:"أناس مهمين ولا ينبغي أن نتصرف بهذا الشكل الوضيع والهمجي. ثم أنت لم يسبق لك أن أخبرتني بأنك كنت تضاجع هذه المرأة العجوز عندما كنا صغارا". لم أكن لأفعل ذلك على كل حال، ثم إني لست مطالبا بأن أخبر الجميع بما كان يجري. لكن إذا كان ولا بد، واقتضى الأمر أن يخرج هذا الخبر إلى العلن فلن أتردد في الاعتراف بذلك. أكثر من ذلك، فعيشة كانت تعاملني بلطف، وأنا أيضا كنت أبادلها نفس الود. وأخبرتهم أنها أطلعتني يوما على صور والديها وعلى عقد قرانهما. كما حكيت لهم كيف بدأت تخرج مع الرجال، وكيف أصبحت بيوت الدعارة تتلاعب بها. وقلت لهم أيضا، إذا كانت عيشة قد انتهى بها الأمر لأن تصبح عاهرة فلأن المجتمع أرغمها على ذلك؛ فالرجال ذووا النية السيئة هم من يصادرون حق المرأة في الحياة الكريمة، ويفرضون عليها العيش ضمن هذا الوضع السيئ طوال حياتها.
فضل صديقي الذهاب إلى فندق صغير لقضاء ليلة حمراء مع فتاة في سن الشباب. فالذهاب إلى الصخور وراء "بالكون أطلنتيكو" لزيارة هذه المرأة المسنة قد انتهى من الوجود بالنسبة له. فقد اتضح أن هاته السيدات الشابات اللائي كان يزورهن، وهو ما كنت أقوم به أنا أيضا في بعض الأحيان، قد سببن له مرضا جنسيا دفعه إلى استعمال الواقي الطبي بمجرد التماثل للشفاء. لا زلت أتذكر جيدا ما قاله لي صديقي أحمد، وهو أن المرأة النظيفة الوحيدة هي المرأة التي تخرج مع رجل واحد غير متزوج. أتساءل ما الذي سيفكر فيه الآن بعد أن أصبح لديه أربعة أطفال. في كل الأحوال، أنا ما زلت أتفق مع سيدي أحمد.
www.literaturamarroqui.edu.es./otros/novedad%20aicha%20cielo%20pandora.pdf1ـ
2ـ المقطع، حسب النص الروائي الذي اطلعنا عليه، يحمل رقم:VI، وهو يبتدئ من الصفحة 185 إلى ص 188.
* ـ تعد قصة "بندورا/Pandora" من أشهر الأساطير الإغريقية، خلقت بأمر من زيوس. أُعطيت صندوقا (أو جرة) وأُمرت ألا تفتحه، لكن بدافع الفضول فتحته، فخرجت منه كل شرور العالم (الأمراض، الموت، الكراهية، الخ). ويمكن لهذا السبب أسقط الكاتب هذا الإسم على شخصية "عيشة" التي تتقاطع في جوانب كثيرة من شخصيتها مع قصة "بندورا" الإغريقية.
