البلاغة الفارسية والهندية في جذور الثقافة العربية
الملخص:
في هذا العرض البسيط، سنشد الرحال؛ للرجوع بالزمن إلى القرون الأولي من الحضارة العربية الإسلامية، وننتقل بين الفرس والهند وبغداد، وهدفنا تقفي آثار القدماء، و ما تركوا لنا من نفائس علمية و أدبية، لا زالت تتصدر لوائح المصنفات من الكتب في واجهات المكتبات العالمية. من المثير للفضول و الجدل هذا التأثر و التأثر الذي طغى على هذه الأمم مختلفة في كل شيء، إلا في ميزة العقل والفطرة.
في هذه الرحلة القصيرة ـ الطويلة، سيكون لنا موعد مع أشهر الأدباء و البلاغيين العرب و الفرس والهنود، نسائلهم عن الموروث الحضاري "الهند ـ إسلامي" وكيف تم تلاقح الشرق العربي بالشرق الأسيوي؟ وكيف تم تلاحق الأجيال في تلقي الدرس البلاغي؟ أسئلة تستثير الذاكرة، وتسرح بالخيال عبر الأزمة الغابرة، حين كان "السيف والقلم" يحكمان الشرق، فالسيف لمن لا يطيع القلم، و القلم لمن لا يجيد حمل السيف. كان الأدب فن البلغاء، و البلاغة صنعة الأدباء، كلاهما يلعب دورا في النهوض الحضاري للأمم، فالحروب تنتهي... و الأعلام تسقط ... والأقلام تجف... والعلماء يرحلون؛ لكن الكتب تظل خالدة تتحدى الدهر، والسنين والأيام، تأبى الموت و الاندثار والنسيان.
كيف نظر المسلمون إلى الثقافة الفارسية و الهندية؟ وكيف سال المداد في وصف "الحكمة الهندية" من قبل أعلام الأدب والبلاغة؟ سنحاول الوقوف قدر المستطاع عند أبرز من كتبوا في هذا الشأن، سواء من المفكرين العرب أو بلاد فارس والهند.
المقدمة:
يقول أمير البيان الجاحظ (150 . 255هـ ) في كتابه (البيان و التبيين، في باب البيان ص: 84) : ((قيل للفارس:ما البلاغة؟ قال معرفة الفصل من الوصل، وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، و اختيار الكلام، و قيل للرومي: ما البلاغة قال:حسن الاقتضاب عند البداهة، و الغزارة يوم الإطالة، و قيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: فقال وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة، و قال بعض أهل الهند: جماع البلاغة البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة)). انتهي الاقتباس .
من الواضح أن كل لسان يصف البلاغة حسب ثقافة المجتمع المنتمي إليها، لنستشف من قول الجاحظ أن تعريف البلاغة بعدد الألسن و الأجناس، لنقل أن البلاغة العربية كانت "محظوظة" كونها شملت كل هذه الثقافات تحت راية الإسلام، وطورت من بلاغتها الفصيحة، كذلك عززها القرآن الكريم الذي أضاف إليها المزيد من القوة و السند اللغوي.
لنعود القهقرى وتفسير هذا الأمر، ركز المؤرخون على الحروب السياسية، بدل الحروب العسكرية و أحداثها، و على الباحث الكد في تقفي ثغرة(1) يعثر عليها بين طيات الصحف. وربط بعضها ببعض.
من بين هذه الثغرات، كانت تهمة (الزندقة) في الإسلام، توازي (الهرطقة) في المسيحية، لأنها ترمز لكل من يشق عصى الطاعة على الدين أو الحاكم، و تحيل إلى الشك و الإلحاد، ففي العصر العباسي، كانت تقترن بالبحث العلمي، الذي انكب على مذاهب الكلام و الجدال الديني، ليرى الفرس أن هذه الخلافة لم تنصفهم، في ما يخص توزيع السلط في الحكومة، و الاعتراف باللغة الفارسية، من هنا بدأت دعوتهم سرا وجهارا في نشر(المانوية و الزارادشية و المزدكية(2)) نذكر على سبيل المثال محاكمة الأفشين حيدر بن كاوس(3)، كان الهدف من هذه الفتن هي قلب نظام الدولة الإسلامية، ومحو الخلافة مع دينها، لإعادة مجد الممالك السابقة عنها، من الطبيعي أن يكون في هذا العصر أعداء ودعاة للقديم في عاداته و تقاليده، لكنهم بقوا في أسفل سلم المناصب.
لقد اختلطت الأعراق(4) في الدولة الإسلامية، واختلط دم بعضهم بدم بعض، ونمو كل حضارة يستوجب العلم الغزير، يطلع على شؤون الحياة؛ لذلك انتشرت في هذه الرقعة الجغرافية ثقافة مختلفة، لأمم مختلفة، تجند لها رجال بارزون في علوم الطب، و الهندسة، والتنجيم، و نظام الحكم، و اللغة والأدب. يبذلون الغالي و النفيس في الدعوة إلى ما يصلح البلاد و العباد، في ترويجها وحث الناس على قبولها.
(1) أحمد أمين. (ضحى الإسلام) .الإصدار الأول: 1933 . إعادة الإصدار الثاني: مؤسسة هنداوي للنشر 2012 , ص: 135
(2) المرجع نفسه، ص: 139
(3) قائد جيوش المعتصم بالله العباسي، وكانت محاكمته أشهر محاكمة في تاريخ الزندقة، و يقال أن الخليفة فصله وأحرقه، ويقال أن هذه التهم ملفقة باطلة بالمجوسية والردة في الإسلام، من قبل المؤبد.انظر كتاب (عروس فرغانة) جرجي زيدان.الفصل الحادي و العشرون.
(4) المرجع الأول، (ضحى الإسلام) ص: 15
المحور الأول
1 ـ الفرس صناع البلاغة الكلامية:
نشأ عن هذا الدمج الثقافي ثقافات جديدة، تحمل مواصفات جديدة، تتفرد بمميزاتها وطابعها المستقل، حسب عقليتها، كنهر تملأه الجداول الصغيرة، فيفيض على الناس خيرا وسلاما، أو موتا و دمارا.
1 ـ 1 ـ البلاغة عند الفرس:
كان الكثير من الخلفاء العباسيين، يتخذون وزيرا فارسيا وحيدا(5) يقوم مقام الخليفة، في الشؤون الحربية و المالية، وبعث الرسائل إلى الأمصار و الأقطار المختلفة. عكس الخلافة في الأندلس، حيث كان لكل قطاع وزيرا خاصا بها؛ فهذا الوزير يجمع بين السيف و القلم، وهذا المنصب الكبير جعل من شروطه، أن يكون الوزير (عالما، ورعا، عفيف النفس، رفيع الأدب، جم الشيم، حكيم العقل، حاد الذكاء، متوقد الجوارح، سريع البديهة، لبيب الإشارة، فقيه بالعلوم والآداب والفنون، يأخذ بلب الرجال، و قلوب الناس) و جمع المختصون على أن البلاغة الكتابية(6) كانت عند الفرس، أشد منها عند العرب الموسومون بالفصاحة اللسانية. و كيف تسنى لهم ذلك؟
لهؤلاء الوزراء، أعوان يسمونهم "الكتاب"، فكان ابن المقفع كاتبا لداوود بن عمر بن هبيرة (7)، و عمرو بن مسعدة بن صول(8) يكتب للمأمون، وكان عبد الله بن سوار بن ميمون يحيى بن خالد البرمكي، وهكذا كانت حركة البلاغة الكتابية تتداول بطائفة من خيرة الكتاب، و على رأسهم الوزير، و تتدرج في كفاءتها و بلاغتها. كان الكتاب يتمتعون بذهنية خطيرة في نشر الثقافة، بحكم مناصبهم، كانوا يتطلعون أحوال الناس و تقاليدهم، وملمين باللغة و الأدب و علوم الدين والفلسفة والجغرافيا والتاريخ، ولا مجال للمقارنة بين موسوعية علمهم، ومحدودية معارف المحدثين و الفقهاء. في كتابه "أدب الكاتب" للأديب اللغوي المحدث المؤرخ ابن قتيبة (و213 ـ ت276) لما رأى في الكتاب من شغف العلوم و المعرفة، وفصل فيه عما يلزم الكاتب من لغة ونحو و صرف و إملاء. من شروط الكاتب أن يكون عارفا بالثقافة العربية و الفارسية و استساغ المصطلح، ليخلص قولهم: " أن الـأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف"، و الشائع " الأخذ من كل فن بطرف". فكيف نشطت التيارات العلمية في عصر الدولة العباسية؟
1 ـ 2 ـ الحركة العلمية الفارسية الإسلامية:
نشط التعاون العلمي في العصر العباسي، ممن يجيدون اللسان الفارسي، و اللسان العربي، ثم بدأت الترجمات، و قد عقد ابن النديم في كتابه (الفهرست)، فصلا كاملا لأسماء نقلة الفارسي إلى العربي، أشهرهم كان ابن المقفع صاحب مصنفات (تاريخ الملوك الفرس) ليكون مرجعا تاريخيا للكثير من الأعلام من بعده.
(5) أحمد أمين. (ضحى الإسلام) .الإصدار الأول: 1933 . إعادة الإصدار الثاني: مؤسسة هنداوي للنشر 2012 , ص:163
(6) المرجع نفسه، ص: 164
(7) الذهبي (سير أعلام النبلاء). الطبقة التاسعة و العشرون ـ ابن هبيرة ـ الجزء العشرون
(8) انظر، كتاب د.عبد الرحمان بن عثمان بن عبد العزيز الهليل ( عمرو بن مسعدة الصولي) دراسة وجمعا و توثيقا.
أ ـ ابن المقفع:
أبو محمد عبد الله بن المقفع، أحد البلغاء و الفصحاء، و رأس الكتاب(9)، من مجوس فارس، رمي بتهمة الزندقة، ليموت أبشع ميتة على يد المنصور و لم يبلغ ربيعه الست و الثلاثون، كان غزير الإنتاج، في كتاباته و ترجماته، نذكر أشهرها كتاب (كليلة ودبنة)، و (مزدك)، ترجم تاريخ الفرس إلى العربية، و هو بذلك كان مزدوج الثقافة الفارسية و العربية؛ ليحيي أمجاد أمته عن طريق تدوين تاريخها، و نشر آدابها وسياستها، ليصلح ما فسد في النظام العباسي.
نستخلص القول، أن للثقافة الفارسية ظلا كبيرا في هذا العصر الذهبي الإسلامي، و خطابا قوي التأثير في الشعر و الأدب و نظام الحكم، و العديد من الدعاة المبدعين من الفرس انتشرت دعوتهم في سرعة مذهلة، انتشار النار في الهشيم؛ لكن العرب أحسوا بخطورتها، وتصدوا لها بالقوة و العنف، ليكون الصراع لغويا ودينيا، وصراع عادات و تقاليد، و وصراع علم ومعرفة.
ب ـ سيبويه:
من نتاج هذا المزج الثقافي، خروج معلمة بلاغية خالدة في أذهان كل العرب، و هو شيخ النحاة سيبويه، وهذا العالم لم يكن مشهورا في حياته بقدر ما اشتهر بعد مماته، ليختطفه الموت أيضا، و هو في الثلاثينيات من عمره. كان مزدوج الموطن(10)؛ لأنه ولد في البيضاء أشهر مدن بلاد فارس، و ترعرع في البصرة، نشا بين أفول الخلافة الأموية وظهور الخلافة العباسية، رحل إلى بغداد لينافس شيخ بغداد و معلم الأمراء الكسائي. وانصرف إلى علوم الدين، ثم إلى علوم الأدب، ليستقر فكره على علوم النحو حتى نبغ فيه و صار إمام النحاة وشيخهم(11).
من المعلوم أن فارس فتحت في فجر الإسلام، على يد الخليفة عمر ابن الخطاب، و إذا عدنا لزمن سيبويه؛ فنجد أنه مضى أكثر من قرن، على هذا الفتح، لتنضوي البلاد تحت لواء الراية العربية، وتذوب في الأمة الإسلامية بشكل كلي. فالرجل كان بليغا فصيحا يناظر العلماء، و أشهر هذه المناظرات(12) على الإطلاق هي التي تواجه بها مع الكسائي، لأنها كانت تعتبر مناظرة بين مدرسة البصرة في فتاها، و مدرسة الكوفة في شيخها. لأن البصرة سباقة لعلم النحو مع أبو النحاة و رائدهم أبو الأسود الدؤلي.
(9) انظر كتاب شمس الدين الذهبي (سير النبلاء، الطبقة الرابعة ).
(10) علي النجدي ناصف (سيبويه إمام النحاة)، دار النشر: عالم كتب. الطبعة الثانية 1979 ص: 71
(11) المرجع نفسه. ص: 84
(12) المرجع نفسه. ص: 104
2 ـ الهند ثقافة وحضارة:
منذ القديم والعرب مولعون بالتجارة في الهند، وكانوا يجلبون بالأساس الطيب و سموا السيوف المطبوعة في الهند " المهند(13)"، و نظموا فيها أشعارا. ولما فتح المسلمون العراق و فارس، فكروا في الهند، يقال أن الخليفة عثمان ابن عفان أرسل من يستقصي أخبارها وأحوالها، فقيل له أنها تنهار، و لا سلطة فيها تحمي الناس من الهوان و ندرة الماء(14). و لأسباب تحكيها الرواية، في ضعف ملك الهند داهر، و سلطة القراصنة على سفن المسلمين، توالت الحملات العسكرية، يرسلها الحجاج بأمر من الوليد ابن مروان، و يتم تحقيق فتح الكثير من أقطارها، ليسند الأمر إلى ابن عم الحجاج الثقفي، محمد بن القاسم الثقفي، أصغر قائد لم يتجاوز العشرين، وضع على رأس الجيش في غزوات دامت لثلاث سنوات،(من 93هـ إلى 96هـ ) ويدخل تحت راية الإسلام جزء عظيم من السند، تناسقت الحركات العلمية بمرافقة للغزوات، و الانصهار الاجتماعي من الأمويين إلى العباسيين، فالفاتحون هم أنفسهم علماء، و الجيش هو الناشر للعلم(15)، ليصبح الموالي الهنود الذين وزعوا في الحرب بعد أن كبروا، شعراء، وعلماء المحدثين في اللغة، فنرى الشاعر المخضرم، الذي عاش بين الأموية و العباسية، أبو العطاء السندي، و الذي بهر الأدباء ببلاغة شعره، لينال استحسان الأمراء و الملوك لظرفه و رقيق كلماته وبديع قريحته، ومن اللغويين اشتهر ابن الأعرابي، ويعد معلمة من معالم الأدب و اللغة و الشعر، من أشهر تلاميذته ثعلب، و ابن السكيت. هذا الاندماج بين الهنود و المسلمين، بتلقينهم علما إسلاميا عربيا، وصل الجاحظ أن السند، أكثر شهرة في تدبير المال(16)، وتحصيل الدرس.
(13) أحمد أمين. (ضحى الإسلام) .الإصدار الأول: 1933 . إعادة الإصدار الثاني: مؤسسة هنداوي للنشر 2012 ص: 213
(14) المرحع نفسه، ص: 214
(15) المرجع نفسه، ص: 215
(16) المرجع نفسه، ص: 216
2 ـ 1 ـ أعلام البلاغة الهندية الإسلامية:
أ ـ النموذج الأول(عبد الحي الحسيني ):
هو الشريف العلامة عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي، لينتهي نسبه إلى عبد الله الأشتر، بن محمد ذي النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، انتقل جده قطب الدين محمد المدني من بغداد إلى الهند في فتنة المغول(17)، ليتولى مشيخة دلهي، و توفي في (677) في مدينة كرا، بعد وفاته، نبغ من ذريته العديد من رجال العلم و المعرفة و الإصلاح و الجهاد، و الذي كان أشهرهم السيد العارف علم الله النقشبندي 1097م.
ولد عبد الحي الحسيني سنة 1286م، كان بيته بيت علم، وأبوه السيد فخر الدين رجل صلاح، قرأ الكتب الدراسية في النحو و الفقه و الأصول و التفسير و المعقولات على أشهر علماء " لكهنؤ" ليشد الرحال إلى "يهوبال" ليكون محط نزول العلماء و الطلبة، كان حريصا على إصلاح المسلمين و نفعهم.
كان الرجل متضلعا في العلوم، راسخ القدم في آداب اللغة العربية و الفارسية و الأردية، و لم يكن له نظير في العلم(18) بأحوال الهند، و رجالها و حضارتها و حركة التأليف في عهد الدولة الإسلامية، من مؤلفاته ( نزهة الخواطر و بهجة المسامع و النظائر) ذكر فيها تراجم أعيان الهند، و مآثرهم و كل ما يخص أخبارهم و علمهم و أعمالهم و أنسابهم. و كتاب ( جنة المشرق و مطلع النور المشرق ) في التاريخ الهندي الإسلامي، و جغرافيا الهند، و حرف أهلها، و حيواناتها، و معادنها، و أجناسها، و أديانها، و صناعتها و لغاتها، و إقطاع الهند، و أشهر مدنها، و قراها في الدولة الإسلامية، و أخبار ملوك الهند، و تاريخ ظهور الإسلام من الأسر التي حكمت الهند، إلى نوادرها و ما وضعوه فيها، توفي سنة 1341م.
(17)عبد الحي الحسني. (الثقافة الإسلامية في الهند ـ معارف العوارف في أنواع العلوم و المعارف). الإصدار الأول: 1958 . الإصدار الثاني و النشر: مؤسسة هنداوي2015 . ص: 7
(18) المرجع نفسه، ص: 9-ب ـ النموذج الثاني (البيروني):
عُد المسلمين الهند من الأمم الأربعة، ذات الصفات الجيدة و هي ( الفرس و الهند و الروم و الصين) ، و قال الجاحظ فيهم: (( اشتهر الهند بالحساب، و علوم النجوم، و أسرار الطب، و الخرائط و التصاوير، و الصناعات الكبيرة العجيبة(19))). و للهند فلسفة كما اليونان، لكن فلسفتها تختص بامتزاجها بالإلهيات ، كذلك عبرت باللغة الشعرية لا العلمية، عكس فلسفة اليونان التي كانت بعيدة كل البعد عن الدين و تنصب على الطبيعة . العلامة النابغة أبي الريحان محمد بن أحمد البروني الخوارزمي (362 وهـ 440 ت هـ) الذي وضع يده على المنهج العلمي؛ ليسبق أهل زمانه، ويرقى علي المدارج في الرياضيات و الفلك والهندسة إلى جانب الفلسفة و الأدب .
في هذا الصدد، يشير في وصفه للهند، في القرن الرابع الهجري، و الذي قضي معظم حياته متنقلا بين الأمصار و المدن الهندية، يتقفى أحوال أهلها، و يدون أخبارهم، بحكم إتقانه للغة السنسكريتية، ليخلص بتحفة كتبه ( تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة). و يكون هذا "الانثروبولوجي" المبكر، دقيق الوصف في عقائدهم و علومهم و آدابهم و أحوالهم الاجتماعية، و قد أبرز في هذا البحث، ما يتمتع به البيروني من حصافة في الوصف، و الإخلاص في النقل.
من المؤكد أن للهند فلسفة كما اليونان، لكنها فلسفة مقترنة بالإلهيات(20)، و ليست كفلسفة اليونان المتجهة نحو الطبيعة، لذلك لم تختلف معها، بنفس اللحظة وافقت العقلية العربية المسلمة، التي حملت لها التقدير لما يشملها من فضائل و أخلاق و حكمة.
قارن التنوخي(21) بين بلاغة الهند وبلاغة العرب، ليخلص أن الأولى، مسهبة و مطنبة، و الثانية مختصرة موجزة. كانت الكتب المترجمة من الفارسية، و منها إلى العربية، و كان العرب عندما يذكرون الحكم الهندية، يشيرون إليها بصدق و أمانة. خصوصا القصص الهندية القصيرة المندسة في ألف ليلة و ليلة المعروفة و الشهيرة.
(19) أحمد أمين. (ضحى الإسلام) .الإصدار الأول: 1933 . إعادة الإصدار الثاني: مؤسسة هنداوي للنشر.ص: 217
(20) المرجع نفسه، ص: 218
(21) المرجع نفسه،ص: 228 . التنوخي : هو أبو المحسن بن علي بن محمد بن داوود بن إبراهيم التنوخي الأنطاكي، أديب و مؤرخ عاش في العصر العباسي من مؤلفاته (الفرج بعد الشدة) .-2 ـ 2 ـ الآثار الأدبية الهندية في المؤلفات العربية:
يقال أنه أتى بغداد أطباء من الهند، محملين بكتب و صحف و رقع شتى من الأدب، و قيل أن بن الأشعث الخزاعي، سأل صالح بن بهلة الهندي(22): ما البلاغة عند أهل الهند؟ فأجابه: عندنا صحيفة يستعص علي ترجمتها إلى العربية، فما كان على أبو الأشعث إلا ترجمتها، ليجد أولها:" أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة(23)"
لهؤلاء الأطباء الهنود، صحف و موضوعاتهم الطبية، و كان العلماء يخالطونهم و يسائلونهم في شتى الأمور، بواسطة تراجمه يترجمون من الهندية إلى العربية. و كان الناس يقارنون بينها، و يأخذوا أحسنها، نقلت إليهم هذه الجملة الهندية في البلاغة، فأضيفت صياغتها في البلاغة العربية و هي ما سمي ب "مقتضى الحال". فالهنود حسب وصف البيروني في الصفحات الأولى من كتابه (تحقيق ما للهند) بالإعجاب بأنفسهم، و بكل ما يخصهم من دين و علم.
تبوأت الهند مكانة مرموقة في الميدان الثقافي في الحضارة الإسلامية، كونها زاخرة بكل ما تحمل الكلمة في معناها من الآثار الأدبية الهندية، التي صبغت الحكاية العربية بروح حكمتها وتعاليمها ليومنا هذا، و ما تركته من بصمة فريدة في تاريخ الأمم و لا زالت، فانسجم العرب من مؤلفاتهم مشيدين بجمالية الأفكار، يقتبسون عنها، ومشيرين لأصحابها، نذكر أشهر ما ترجم من الهندية للفارسية:
ـ السندباد الكبير
ـ السندباد الصغير
ـ كليلة و دبنة
ـ كتاب مكر النساء
(1) مراجعة (البيان و التبيين) ، الجزء الأول، ص: 79
(2) أشهر الأطباء تميزا في العلم، وخبيرا بالمعالجات المستعصية أيام الرشيد. -الخاتمة:
مضطرين للعودة إلى عصرنا، والتوقف على عتبة ختام هذا العرض المقتضب، و لا زال في جعبة الكتب ما يقال و يتضح، ما يشفي غليل السؤال و يفتضح، بين السطور تظهر أشياء و تختفي أشياء، لأن بلاغة الحرف ما هي إلا طلاء الأفكار، و سترة الثوار، و جمال المعنى، قناع كل أيديولوجية تمررها جماعة أو حركة أو طائفة، فلا عصر خلا من البلاغيين و الحجاجيين و أصحاب النفوذ اللسانية، مررنا مرور الكرام على حدود علاقة الشرق العربي، بالشرق الأسيوي و التقطنا القليل القليل من المعلومات، فلا شك و أكيد أن للكتب سحر ستعيدنا للغوص في بحر الآداب من جديد ، فهي التي جعلت "شمس العرب تسطع على الغرب" على حد تعبير المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه.
رأينا كيف أن الأناقة الفارسية استطاعت تهذيب و تنظيم ديوان الخلفاء و أخذ بألباب القراء في كل يخطونه من رسائل و كتب و تراجم عن الأمة الهندية و غيرها من الأمم.
كيف كان الفضل الكبير لعلماء الهند في إغناء المخزون الثقافي و الأدبي العربي، لما أتوا به من عادات و تقاليد و شعائر و نظم، نظرا للفلسفة الهندية المرتبطة بالدين كما سلف الذكر، و ما تحمله من خصال مستقيمة تدعو للفضيلة، من خلال القصص التي تطبعها الحكمة البلاغية، كلها انصهرت في الكيان الإسلامي كجسم واحد، لا تكاد تفرق بينها إلا بالإشارة إليها، و الإفصاح عنها من خلال العلماء المشتغلين في حقل الترجمة في كل عصر من العصور .
المحاور
المقدمة
المحور الأول:
1 ـ الفرس صناع البلاغة الكتابية:
1 ـ 1 ـ البلاغة عند الفرس
1 ـ 2 ـ الحركة العلمية الفارسية الإسلامية
المحور الثاني:
2 ـ الهند ثقافة و حضارة:
2 ـ 1 ـ أعلام البلاغة الهندية الإسلامية
2 ـ 2 ـ الآثار الأدبية الهندية في المؤلفات العربية
الخاتمة
المراجع المعتمدة
1 ـ أمين أحمد. (ضحى الإسلام) .الإصدار الأول: 1933 . إعادة الإصدار الثاني: مؤسسة هنداوي للنشر 2012
2 ـ الذهبي شمس الدين (سير النبلاء)
3 ـ النجدي ناصف (سيبويه إمام النحاة)، دار النشر: عالم كتب. الطبعة الثانية 1979
4 ـ الحسني عبد الحي. (الثقافة الإسلامية في الهند ـ معارف العوارف في أنواع العلوم و المعارف). الإصدار الأول: 1958 . الإصدار الثاني و النشر: مؤسسة هنداوي2015
5 ـ الجاحظ (البيان و التبيين) ، الجزء الأول
