الجمعة ١٠ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم سليمان أحمد عبد الدايم

الإنسان بين التجربة والتردد

حين يصبح الخوف من الندم أكبر من الرغبة في النجاح

لا يخاف الإنسان من الفشل وحده، بل يخاف أحيانًا مما هو أشد قسوة منه؛ أن يكتشف، بعد سنوات، أنه اختار الطريق الخطأ. ومن هنا، لا يعود الندم مجرد شعور يأتي بعد القرار، بل يتحول إلى قوة خفية تسبق القرار نفسه، فتشل الإرادة، وتزرع التردد، وتجعل الإنسان يؤجل الخطوة الأولى مرة بعد أخرى. ولعل هذه هي إحدى المفارقات الكبرى في النفس البشرية؛ إذ قد لا تمنعنا المخاطر من المحاولة، لكن الخوف من الندم قد يمنعنا حتى من البدء.

منذ الصغر، يتعلم الإنسان أن عليه أن يحسن الاختيار. يختار دراسته، وعمله، وشريك حياته، ومكان إقامته، وأسلوب حياته. ومع كل قرار، يسمع التحذيرات ذاتها: "لا تخطئ"، "فكر جيدًا"، "هذه فرصة قد لا تتكرر". ومع مرور السنوات، تتكون داخله قناعة غير معلنة بأن القرار الصحيح يجب أن يكون كاملًا، وأن الخطأ ثمنه باهظ إلى درجة لا تُحتمل.

وهكذا، يبدأ الإنسان في البحث عن اليقين قبل أن يتحرك. يقرأ، ويستشير، ويقارن، وينتظر العلامة التي تؤكد له أنه يسير في الاتجاه الصحيح. لكن الحياة لا تقدم مثل هذه الضمانات. فهي لا تكشف نتائج قراراتها مقدمًا، ولا تمنح أحدًا خريطة كاملة للمستقبل. ومع ذلك، يظل كثير من الناس ينتظرون يقينًا لن يأتي، حتى تتحول أعمارهم إلى سلسلة طويلة من القرارات المؤجلة.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن الإنسان لا يندم دائمًا على ما فعله، بقدر ما يندم على ما لم يفعله. فكم من فرصة ضاعت لأنه خشي الفشل، وكم من حلم بقي حبيس الخيال لأنه انتظر اللحظة المثالية، وكم من علاقة لم تبدأ لأن أحد الطرفين خاف من الرفض. إن بعض أنواع الندم لا تولد من التجربة، بل من غيابها.

وقد ساهم العصر الحديث في تعميق هذا الشعور. فوفرة الخيارات جعلت الإنسان يعتقد أن هناك دائمًا قرارًا أفضل من القرار الذي بين يديه. ومع كل قصة نجاح يقرأها، وكل تجربة يراها على الشاشات، يزداد اقتناعًا بأن اختياره قد يكون ناقصًا، وأن عليه أن ينتظر أكثر، ويبحث أكثر، ويفكر أكثر. وهكذا، تتحول الحكمة إلى تردد، والتأني إلى جمود، حتى يصبح الخوف من الخطأ أكبر من الرغبة في النجاح.

ومن هنا، ينشأ نوع غريب من الحياة؛ حياة لا يمتلئ سجلها بالفشل، بل بالفرص التي لم تُمنح فرصة أصلًا. فالإنسان الذي لا يجرب لا يخسر كثيرًا في الظاهر، لكنه يخسر شيئًا أكثر عمقًا؛ يخسر إمكانية أن يعرف ما كان يستطيع أن يكونه لو امتلك شجاعة المحاولة.

ولا يعني ذلك أن الإقدام فضيلة في كل الأحوال، أو أن التسرع طريق إلى النجاح. فالتفكير قبل اتخاذ القرار ضرورة، لكن التفكير الذي لا ينتهي يتحول إلى عبء. وهناك لحظة يصبح فيها البحث عن القرار المثالي وسيلة للهروب من مسؤولية اتخاذ أي قرار.

ولعل الحياة نفسها تعلمنا أن معظم القرارات لا تكون صحيحة أو خاطئة منذ البداية، بل تصبح كذلك بالطريقة التي نتعامل بها معها. فالنجاح لا يعتمد دائمًا على حسن الاختيار وحده، بل على القدرة على التكيف، والتعلم، وتصحيح المسار عندما تفرض الظروف ذلك. وليس الإنسان حكيمًا لأنه لم يخطئ قط، بل لأنه عرف كيف يحول أخطاءه إلى خبرة.

ومن المفارقات اللافتة أن أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ لم تكن تلك التي اتخذت قرارات معصومة من الخطأ، بل تلك التي امتلكت الشجاعة لتتحرك، ثم امتلكت التواضع لتتعلم، ثم امتلكت الإصرار لتكمل الطريق. فالحياة لا تكافئ من انتظر طويلًا، بل من بدأ، ولو بخطوات مترددة.

وربما لهذا السبب، فإن أخطر أنواع الخسارة ليس أن يفشل الإنسان بعد أن حاول، بل أن يصل إلى نهاية عمره وهو يتساءل: ماذا لو كنت قد جرّبت؟ فهذا السؤال لا يحمل ألم الفشل، بل يحمل ثقل الاحتمالات التي لن يعرف صاحبها إجاباتها أبدًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: أيهما أكثر قسوة، أن نندم لأننا خضنا تجربة لم تنجح، أم أن نندم لأننا لم نمتلك الشجاعة لنخوضها من الأساس؟ فربما لم يكن الندم الحقيقي في الأخطاء التي ارتكبناها، بل في الحياة التي لم نعشها خوفًا من أن نخطئ.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى