السبت ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم رانيا مرجية

احتراق السكر

في آخر الشارع، حيث تبدأ الريح ولا تنتهي، كان هناك متجر صغير لا يلتفت إليه أحد… إلا من عرف صاحبه حقًا.

كان اسمه يونس.

يبيع السكر.

رجل لا يشيخ سريعًا، لكن التعب كان يسكن عينيه قبل ملامحه.

وكان يقول وهو يناول الناس الأكياس بابتسامة هادئة:

“خذوا منه… فالدنيا تحتاج شيئًا يخفف مرارتها.”

فيضحكون، يرحلون، ويعود الصمت.

لكن ما لم يعرفه أحد… أن يونس لم يكن يحب السكر.

كان يفتح متجره قبل أن تستيقظ القرية، ويغلقه بعد أن تنطفئ آخر نافذة، كأنه يعيش على هامش الحياة لا في قلبها.

وفي الليل، كان يشعر بذوبان داخلي بطيء، بثقل خفيّ يشبه الاحتراق، كأن شيئًا فيه يتآكل بصمت.

وكان يسمي ذلك سرًا:

“احتراق السكر.”

في ليلة عادية، انكسر شيء داخله فجأة.

سقط كيس السكر من يده، وانسكب على الأرض كرماد أبيض.

جلس يونس بصمت، بينما صار الهواء أثقل من أن يُتنفّس.

ثم رفع عينيه نحو المرآة.

رأى رجلًا أنهكته الحياة… دون أن يطلب النجدة مرة واحدة.

همس:

“ها قد وصلت.”

انطفأ الضوء.

ومن مكان بعيد يشبه الطفولة، سمع صوتًا يناديه:

“يونس…”

كانت أمه.

قالت بهدوء:

“كنت تضحك كثيرًا… كي لا يسمعك أحد وأنت تتكسر.”

عندها فقط، بكى.

بكى كأن التعب كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.

عاد الضوء فجأة، واختفى كل شيء.

في الصباح، فُتح المتجر كعادته.

لكن يونس لم يعد كما كان.

لم يمت.

ولم يشفَ.

شيء ثالث مرّ من داخله، وتركه أبطأ… أهدأ… وأكثر صدقًا في صمته.

ولأول مرة، توقف عن قول:

“الحياة مُرّة بما يكفي.”

صار فقط يسأل الزبائن بهدوء:

“كم تحتاج؟”

ثم علّق ورقة صغيرة على الباب، كتب فيها:

“الذين يبدون بخير دائمًا… ليسوا بخير أصلًا.”

وفي اليوم الذي غاب فيه يونس، لم يُغلق المتجر.

بقيت اللمبة الصفراء مضاءة، وبقي السكر في مكانه، كأن الرجل خرج وسيعود بعد قليل.

لكن شيئًا واحدًا تغيّر في القرية:

لم يعد أحد يشتري السكر بالطريقة نفسها


مشاركة منتدى

  • "احتراق السكر"... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    في هذه القصة القصيرة جدًا، يطغى الإيجاز والإيحاء على الحبكة، وينجحان في فتح آفاق واسعة من المعاني ببضع كلمات فقط. هذا ما يحدث تحديدًا في قصة "احتراق السكر" للكاتبة الفلسطينية رانيا مرجية. تُعدّ هذه القطعة الأدبية الرمزية مثالًا رائعًا على كيف يمكن لعدد محدود من الكلمات أن يحمل معاني إنسانية عميقة، ويكشف عن مخاوف تتعلق بالإرهاق الروحي الكامن وراء الابتسامات والمظاهر البريئة.

    تبدأ القصة في مشهد يبدو بسيطًا ولكنه واقعي، حيث يمتلك يونس متجرًا صغيرًا في نهاية الشارع، يبيع فيه السكر للناس. إلا أن الواقع سرعان ما يفسح المجال للرمزية، فالسكر لم يعد مجرد سلعة استهلاكية، بل أصبح رمزًا موضوعيًا لفكرة تخفيف مرارة الحياة. يونس يمنح الآخرين حلاوةً، بينما هو نفسه يعاني من المرارة، وكأن هناك دائمًا مفارقة في الحياة بين ما يُقدّمه المرء وما ينقصه.

    من أبرز جوانب البنية الأدبية للنص غياب أي تصوير لمعاناة البطل الرئيسي؛ بل على العكس، نجد استعارة رائعة من الكاتب: "احتراق السكر". فالنار والدخان والرماد ترمز إلى الاحتراق، بينما الحلاوة والبياض ترمز إلى السكر. ومن هنا، يخلق هذا التداخل بين المفاهيم تشبيهًا شعريًا بليغًا؛ فما كان يُفترض أن يجلب السعادة يتحول إلى فساد داخلي. إنها الاستعارة الأمثل للرجل الذي يُضحي بنفسه من أجل الآخرين حتى يحترق.

    في المشهد الذي تنزلق فيه كيس السكر من يد يونس وتسقط على الأرض لتُشبه "الرماد الأبيض"، يبلغ المبدع ذروة إبداعه. عند هذه النقطة في السرد، يتحول المادي إلى رمزي. فالسكر لم يعد سكرًا، بل أصبح يُشبه الرماد بعد حريقٍ مشتعلٍ منذ زمن. وأخيرًا، يستطيع يونس أن يرى نفسه دون أي قناع أو عبارات مُنمقة.

    يُعدّ استخدام المرآة وسيلةً لتحدّي الذات من قِبَل الكاتبة. ففي انعكاس صورته، لا يرى يونس وجهًا مُرهَقًا فحسب، بل يرى أيضًا حياةً مليئةً بالصبر والكبت. ويلي ذلك حادثة توبيخ والدته له، وهو حدثٌ ذو أثرٍ إنساني ونفسي بالغ. في هذه اللحظة، لا تبدو الأم كغريبة عابرة، بل رمزًا لأقدم ذكرياته وخلاصه الأخير - شخصٌ تستطيع كلماته أن تُظهر للعالم ما حاول إخفاءه عن نفسه: ضحكته لأنه كان مُحطّمًا لدرجةٍ لا تسمح له بالنطق.

    من الناحية النفسية، يُمكن القول إن بكاء يونس يُمثّل نقطة تحوّل في القصة. فالقصة لا تنتهي بالموت أو الشفاء، بل بشيءٍ آخر مُختلف تمامًا. هناك ندوبٌ لا تلتئم تمامًا، لكن الندوب تُغيّر من يحملها. لذا، يُمكن القول إنه على الرغم من عودة يونس إلى ورشته، إلا أنه يعود إليها وقد تغيّر. لم يعد مُتباهيًا، بل أصبح أكثر صدقًا مع نفسه، مُتخليًا عن عادته السابقة في قول "الحياة مُرّة". بدلاً من ذلك، ينطق بعبارة بسيطة: "كم تحتاج؟"

    أما المقولة التي يعلقها على باب متجره: "الذين يبدون بخير دائمًا... ليسوا بخير أصلًا". قد لا تكون المقولة طويلة بما يكفي، لكنها تُلقي الضوء على حياة أناس يحاولون إخفاء أحزانهم وراء قناع من التماسك والهدوء.

    من الواضح أن هذه النهاية تُظهر مدى نجاح الرمزية في النص الأدبي. فرحيل يونس لا يُؤدي إلى إغلاق متجره، بل يبقى مُضاءً ومُمتلئًا بالسكر، وكأن الرجل ما زال يعيش فيه. والأهم من ذلك، أن القرويين توقفوا عن شراء السكر بعد هذه الحادثة، فلم يعودوا ينظرون إلى الأمور بسطحية.

    في الختام، تُعدّ قصة "احتراق السكر" المنشورة موقع "ديوان العرب"، السبت ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦ مزيجًا بارعًا من السرد والشعر، إلى جانب عناصر رمزية في علم النفس. ينجح الكاتب في تحويل متجر صغير، وكيس سكر، وشخص عادي إلى رمز إنساني عظيم للألم الصامت، رمز لأناس يُضفون حلاوة على الآخرين رغم معاناتهم الداخلية. الرسالة التي تنقلها القصة هي أن أشد الحروب ضراوة لا تُشن خارجياً بل داخلياً، داخل الذات.

  • احتراق السُّكَّر || أغنية
    أغنية بالعامية المصرية مستوحاة من قصة "احتراق السكر" بقلم/ رانيا مرجية – كاتبة من فلسطين، والمنشورة بموقع ديوان العرب، السبت ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦.
    بقلم:
    محمود سلامه الهايشه ؛ كاتب وباحث مصري ؛ elhaisha@gmail.com

    (مذهب)
    يا سُكَّر يا ساكن فـي الكيس الأبيض
    مين قال إن الحلو ما بيحترقش؟
    ده فيه قلوب تضحك للناس دايم
    وجواها ألف نار ما بتنطفيش

    (الكوبليه الأول)
    في آخر شارع تايه فـي الريح
    كان فيه دكان صغير عَ الغلبانين
    واقف يونس من بدري الصبح
    يعدّي يومه بين رايحين جايين
    يناول كيس السكر بابتسامة
    ويقول: خدوا... يمكن يهون المرار
    والناس تضحك وتمشي فـي حالها
    ويسيبوه وحده مع ليل النار

    (المذهب)
    يا سُكَّر يا ساكن فـي الكيس الأبيض
    مين قال إن الحلو ما بيحترقش؟
    ده فيه قلوب تضحك للناس دايم
    وجواها ألف نار ما بتنطفيش

    (الكوبليه الثاني)
    كان يونس شايل همّه فـي ضهره
    زي النخلة واقفة وساكتة سنين
    لا شافوا دمعته ولا سمعوا وجعه
    ولا عرفوا حكاية القلب الحزين
    كل ليلة حاجة جواه تدوب
    زي شمعة بتنقص م الشباك
    وكان يسمي الوجع اللي فيه
    احتراق السكر... من غير صريخ ولا عراك

    (الكوبليه الثالث)
    وفي ليلة وقع الكيس من إيده
    واتنتر السكر ع الأرض رماد
    بصّ فـي مرايته وشاف عمره
    متشقق من كتر الصبر والعناد
    قال: خلاص... وصلت آخر سكة
    وهدّ التعب عَ الروح الجدار
    وانطفى النور لحظة فـي عينيه
    كإن الليل بلع آخر نهار

    (اللازمة الهادية)
    ومن بعيد... من ريحة الطفولة
    صوت أمّه ناداله بحنان
    قالت: يا ابني كنت بتضحك دايم
    عشان تخبي كسرة الإنسان
    ساعتها بكى... بكى من قلبه
    بكى سنين متخزنين فـي الضلوع
    زي أرض عطشانة شربت مطرة
    بعد عمر طويل من الجوع

    (الكوبليه الرابع)
    رجع الصبح وفتح دكانه
    بس ما رجعش نفس البني آدم
    بقى أهدى... أبطأ... وأصدق
    بعد ما شاف جرحه قدامه قايم
    شال الجملة اللي كان بيقولها
    عن مرارة الدنيا والآه
    وبقى يسأل كل زبون
    "قولّي محتاج قد إيه وخلاص؟"

    (الخاتمة)
    وعلّق ورقة ع الباب الصغير
    خلّت الناس تقف وتفكر شوية
    "اللي باينين بخير عَ طول..."
    مش دايمًا بخير... دي حكاية
    ولما غاب يونس فـي يوم
    ما اتقفلش الدكان ولا النور طفى
    بس أهل البلد من بعدها
    ما اشتروش السكر بنفس الشفا

    (المذهب الختامي)
    يا سُكَّر يا ساكن فـي الكيس الأبيض
    مين قال إن الحلو ما بيحترقش؟
    ده فيه قلوب تضحك للناس دايم
    وجواها ألف نار ما بتنطفيش
    يا سُكَّر... يا سُكَّر...
    علّمتنا إن الوجع ساعات
    يلبس ضحكة... وما يتشافش.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى