الأحد ٢٠ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

أسماءُ القمر

حين تتبدّل المراحل ويبقى الضوء

للقمر أسماءٌ كثيرة، لأن وجهه لا يبقى على حال. هلالٌ حين يبدأ، وتربيعٌ حين يخطو نحو اكتماله، وبدرٌ حين يفيض بالضياء، ثم يدخل في المحاق، فيغيب عن العين، من دون أن يغيب عن السماء.

والإنسان يشبه القمر في شيءٍ خفيّ؛ لا لأن له أسماءً تتبدّل، وإنما لأن له مراحل تتعاقب عليه، ولكل مرحلة ملامحها، ودهشتها، وأحزانها الصغيرة، وأضواؤها التي لا تُرى إلا بعد أن نعبرها.

في الطفولة، يكون العالم واسعًا كسماءٍ بلا حدود. تكفي نافذة صغيرة لنسافر منها إلى أماكن لا نعرف أسماءها، وتتحول قطعة حلوى إلى عيد، وحكاية الجدة إلى كتابٍ لا تنتهي صفحاته. نمشي يومها بخفة، لأن القلب لم يتعلم بعد كيف يحمل أثقال الأيام.

ثم يأتي الشباب، فنظن أن الطريق كُتب لنا مستقيمًا، وأن الأبواب ستفتح كلما طرقناها. نركض خلف الأحلام كما يركض الضوء فوق صفحة الماء؛ نخطئ، ونعود، ونبدأ من جديد، ولا نعرف أن بعض الطرق لا تقودنا إلى ما أردناه، لكنها تقودنا إلى أنفسنا.

ثم تأتي مرحلة النضج، فتتغير طريقة النظر إلى الأشياء. لا تعود الحياة أبيض وأسود كما كانت في بداياتها، بل تتسع ألوانها بينهما. نتعلم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، وأن بعض الرحيل نجاة، وأن بعض الخسارات تترك في الروح مساحةً لشيء لم نكن نراه.

وفي منتصف الطريق، قد يقف الإنسان أمام مرآته طويلًا، لا ليبحث عن ملامحه، بل ليبحث عن الشخص الذي كانه يومًا. يكتشف أن السنوات لم تسرق منه كل شيء كما كان يظن؛ لقد أخذت بعض الأشياء، نعم، لكنها منحت في المقابل بصيرةً لا تُشترى، وهدوءًا لا يأتي إلا بعد عواصف كثيرة.

وحين يثقل العمر قليلًا، وتتأنى الخطوات، قد يظن البعض أن الضوء بدأ يخفت. لكن القمر لا يفقد قيمته حين يصبح هلالًا، ولا حين يغيب في المحاق؛ فكل مرحلة من مراحله جزء من حكايته.

وكذلك الإنسان.

ليس أجمل ما فيه أن يبقى شابًا إلى الأبد، ولا أن يظل في ذروة قوته، وإنما أن يعرف كيف يمنح كل مرحلة حقها من الحياة.

فالطفولة لها براءتها، والشباب له اندفاعه، والنضج له حكمته، وما بعده له ذلك الضوء الهادئ الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى.

نحن لا نكبر دفعةً واحدة؛ إنما نتبدل قليلًا قليلًا، كما يتبدل وجه القمر في السماء. نترك وراءنا نسخًا قديمة من أنفسنا، لا ينبغي أن نخجل منها؛ فقد كانت تلك النسخ تعرف ما تعرفه في وقتها، وتحلم بما استطاعت أن تحلم به، وتقاوم بما امتلكت من قوة.

وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نحزن كثيرًا على ما مضى.

فالهلال لم يكن بدرًا ناقصًا، والبدر ليس هلالًا مكتملًا فحسب؛ لكل صورةٍ جمالها، ولكل مرحلةٍ رسالتها.

وقد يغيب القمر ليلةً كاملة، فتظن السماء أنه انتهى، بينما هو في مكانه، يؤدي دورته في صمت.

وهكذا الإنسان أحيانًا؛ ينسحب قليلًا من الضجيج، يصمت، يتأمل، يعيد ترتيب قلبه، ثم يعود إلى الحياة بوجهٍ لا يشبه وجهه القديم.

لذلك لا أخاف كثيرًا من مرور العمر.

أخاف فقط أن تمرّ السنوات دون أن نتعلم منها شيئًا.

أما السنوات التي تركت في أرواحنا أثرًا، وعلّمتنا كيف نغفر، وكيف نختار، وكيف نترك ما يؤذينا، وكيف نمد أيدينا إلى الضوء بعد عتمة طويلة؛ فهذه لم تذهب هباءً.

إنها مثل مراحل القمر؛ تتغير صورتها، لكن شيئًا من نورها يبقى فينا.

ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في آخر كل مرحلة أن يلتفت إلى الوراء دون ندم، وإلى الأمام دون خوف، ثم يقول لنفسه:

لم أنقص لأنني كبرت…
إنما اكتملت بطريقةٍ أخرى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى