الأربعاء ١٦ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦

«قوافي الدم والياسمين» لحلمي زواتي

صدر حديثا عن دار داراجا للنشر في كيبك، كندا، ديوان "قوافي الدم والياسمين"، وهو مجموعة شعرية ثنائية اللغة للشاعر الدكتور حلمي الزواتي. يمتد العمل على مدى خمسين عاماً من العطاء الشعري، ولا يُطرح كمجرد مختارات شعرية فحسب، بل كـ "جهد معرفي" و"بيان نقدي". يبرز العمل كمشروع نادر في "الترجمة الذاتية"، حيث قام الشاعر نفسه بنقل قصائده من العربية إلى الإنجليزية للحفاظ على الظلال الثقافية والفلسفية والعاطفية للتجربة الفلسطينية.

الترجمة كعدالة سردية

رفض الزواتي لـ "الحَرْفِية الجامدة"، واعتمد بدلاً من ذلك على منهجية تقوم على "الدقة الرمزية" و"الأثر العاطفي"، حيث تبرز ازدواجية دور الزواتي كمؤلف ومترجم وتمنحه "سلطة تأويلية" فريدة، تمكنه من الجسر بين التقاليد الشعرية العربية والجمهور الناطق بالإنجليزية دون السقوط في فخ "التبسيط الاستشراقي". ويُصنف هذا الفعل من الترجمة الذاتية كـ "عدالة سردية" و"دبلوماسية أخلاقية"، كونه يقاوم "تغريب" النصوص العربية ويتحدى سياسات التمثيل المهيمنة التي غالباً ما تهمش الأصوات الفلسطينية المتنوعة.

جدلية المرأة والوطن

ثنائية المرأة والوطن هي السمة الطاغية على المجموعة، حيث يمكن وصفها بـ "جدلية التماهي". وتوضح قصائد المجموعة كيف ينسج الزواتي المرأة والحب وفلسطين في "نسيج شعري" واحد لا يقبل التجزئة. وبالاستناد إلى رؤى البروفيسور شاكر مصطفى في تقديمة لأعمال الزواتي الشعرية الكاملة، 1986، فإن القارئسينتهي الى وجود "تناغم صوفي" في أدب الزواتي، حيث لا تظهر المرأة كمجرد رمز رومانسي، بل كتجسيد حي للوطن؛ فهي الأم، والحبيبة، والرفيقة. وفي هذا السياق، يتحول الحب من شعور شخصي إلى "فعل وجودي للانتماء" ونداء للتحرر.
الحنين المقاوم والذاكرة

يستخدم عمل الزواتي "الحنين المقاوم"، حيث تُعامل الذاكرة لا كإحساس سلبي بالفقد، بل كهوية حية. ومن خلال استحضار رموز مثل الياسمين والبرتقال والتين، يستدعي الشاعر معاني "الأصالة والتجدد". ومن الناحية الفنية، تمزج القصائد بين التقاليد الشعرية العربية الكلاسيكية والبنى الحداثية، مما يخلق تكويناً "حر الروح" وغنياً بالموسيقى الداخلية. وهذا يتيح للمجموعة أن تعمل كأداة لـ "استعادة الذاكرة"، مما يضمن تحويل الصدمة التاريخية إلى تجربة جمالية يتردد صداها عالمياً.

الأثر المعرفي والثقافي

وهكذا، فإن من الإنصاف أن يوضع عمل الزواتي هذاضمن سياق أكاديمي وعالمي أوسع. فقد اعتبرته البروفيسور ميريي ربيز"سلاحاً من حبر" ضد المحو التاريخي، ويراه جورح اليوت كلارك إسهاماً هاماً في "شعر الحروب" و"خطاب ما بعد الكولونيالية". ومن خلال تقديم نموذج ثنائي اللغة يتضمن هوامش وشروحات تاريخية، يصبح الديوان مورداً حيوياً للجامعات والباحثين في دراسات الشرق الأوسط ونظريات الترجمة.

وفي الختام، نرى أن يُقدم ديوان "قوافي الدم والياسمين" على أنه "إعلان شعري" يتجاوز الحدود اللغوية والجغرافية. إنه يعيد التعددية إلى المشهد الشعري الفلسطيني عبر مقاومة احتكار الروايات الأحادية، ويثبت أن الشعر العربي يمكن أن يحيا بـ "كرامة وجمال" في أكثر من لغة، ويقف شاهداً على قدرة الإبداع في صياغة الوعي الأخلاقي وتعزيز التضامن الإنساني العالمي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى